للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لأن النكول يحتمل أن يكون لشدة خفرها أو لعقلة على لسانها أو غير ذلك فلا يجوز إثبات الحد الذي اعتبر في بينته من العدد ضعف ما اعتبر في سائر الحدود واعتبر في حقهم أن يصفوا صورة الفعل وإن يصرحوا بلفظه وغير ذلك مبالغة في نفى الشبهات عنه وتوسلا إلى إسقاطه ولا يجوز أن يقضى فيه بالنكول الذي هو في نفسه شبهة لا يقضى به في شئ من الحدود ولا العقوبات ولا ما عدا الأموال، مع أن الشافعي رضى الله تعالى عنه لا يرى القضاء بالنكول في شئ فكيف يقضى به في أعظم الأمور وأبعدها ثبوتا وأسرعها سقوطا، ولأنها لو أقرت بلسانها ثم رجعت لم يجب عليها الحد فلأن لا يجب بمجرد امتناعها من اليمين على براءتها أولى. ولا يجوز أن يقضى فيه بهما لأن ما لا يقضى فيه باليمين المفردة لا يقضى فيه باليمين مع النكول كسائر الحقوق، ولأن ما في كل واحد منهما من الشبهة لا ينتفى بضم أحدهما إلى الآخر، فإن احتمال نكولها لفرط حيائها وعجزها عن النطق باللعان في مجمع الناس لا يزول بلعان الزوج، والعذاب يجوز أن يكون الحبس أو غيره فلا يتعين في الحد، وإن احتمل أن يكون هو المراد فلا يثبت الحد بالاحتمال وقد يرجح ما ذكرناه بقول عمر رضى الله تعالى عنه: إن الحد على من زنا وقد أحصن إذا كانت بينة أو كان الحمل أو الاعتراف فذكر موجبات الحد ولم يذكر اللعان. واختلفت الرواية فيما يصنع بها؛ فردى أنها تحبس حى تلتعن أو تقر أربعا، قال أحمد رضى الله تعالى عنه: فإن أبت المرأة أن تلتعن بعد التعان الرجل أجبرتها عليه وهبت أن أحكم عليها بالرجم لأنها لو أقرت بلسانها لم أرجمها إذا رجعت فكيف إذا أبت اللعان؟ ولا يسقط النسب إلا بالتعانهما جميعا لأن الفراش قائم حتى تلتعن والولد للفراش. قال القاضي رحمه الله تعالى: هذه الرواية أصح، وهذا قول من وافقنا في أنه لا حد عليها وذلك لقول الله تعالى: "ويدرأ عنها أن تشهد أربع شهادات بالله" فيدل على أنها إذا لم تشهد لا يندرئ عنها العذاب. والرواية الثانية: يخلى سبيلها وهو قول أبى بكر رحمه الله تعالى لأنه لم يجب عليها الحد، فيجب تخلية سبيلها كما لو لم تكمل البينة، فأما الزوجية فلا تزول والولد لا ينتفى ما لم يتم اللعان بينهما في قول عامة أهل العلم إلا الشافعي رضى الله تعالى عنه، فإنه قضى بالفرقة ونفى الولد بمجرد لعان الرجل (١).

[مذهب الظاهرية]

جاء في المحلى أن من قذف امرأته بالزنا - هكذا مطلقا أو بإنسان سماه - طولب بالبينة، فإن أتى ببينه عدول بذلك أقيم عليها الحد، وإن لم يأت بالبينة قيل له التعن، فإذا التعن سقط عنه الحد لها وللذى رماها به، فإن لم يلتعن حد حد القذف. وإذا التعن ديل لها إن التعنت وإلا حددت حد الزنا، فإذا التعنت برئت من الحد وانفسخ نكاحها منه وحرمت عليه أبد الآبد لا تحل له أصلا لا بعد الزواج ولا قبله. وأما ما لم يتم هو اللعان أو تتمه هي فهما على نكاحهما، فلو مات أحدهما قبل تمام اللعان توارثا. وذلك لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث اللعان: "البينة أو حد في ظهرك" (٢).


(١) المغنى لابن قدامة جـ ٩ ص ٧٢، ص ٧٣ الطبعة السابقة.
(٢) المحلى لأبى محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم جـ ١٠ ص ١٤٣ وما بعدها إلى ص ١٤٨ مسألة رقم ١٩٤٣، ١٩٤٤ بتحقيق محمد منير الدمشقى الطبعة الأولى طبع إدارة الطباعة المنيرية بمصر سنة ١٣٥٢ هـ.