للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والثانى أنه ورد الأمر مع الفور ومع عدده فيجعل حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز.

ثم ناقش أدلة القائلين بالفور بما لا يخرج في جملته عما جاء في كلام الآمدى.

[ثانيا: الحنفية]

[١ - البزدوى والبخارى]

يقول البزدوى: (١) الأمر المطلق عن الوقت على التراخى خلافا للكرخى.

وتولى البخارى توضيح ذلك فاستعرض مذاهب العلماء بما لا يخرج عما سبق إيراده.

ثم قال: ومعنى قولنا على الفور أنه يجب تعجيل الفعل في أول أوقات الإمكان. ومعنى قولنا على التراخى انه يجوز تأخيره عنه عن أول أوقات الإمكان وليس معناه أنه يجب تأخيره عنه حتى لو أتى به فيه لا يعتد به لأن هذا ليس مذهبا لأحد.

ونعرض لأدلة القائلين بالفور فقال:

تمسك القائلون بالفور بأن الأمر يقتضى وجوب الفعل في أول أوقات الإمكان بدليل أنه لو أتى به فيه يسقط الفرض عنه بالاتفاق، فجواز تأخيره عنه نقض لوجوبه إذ الواجب ما لا يسع تركه. ولا شك أن تأخيره ترك لفعله في وقت وجوبه ولأن التأخير تفويت لأنه لا يدرى أيقدر على الأداء في الوقت الثاني أو لا يقدر وبالاحتمال لا يثبت التمكن من الأداء إلا على وجه يكون معارضا للمتيقن به فيكون تأخيره عن أول أوقات الإمكان تفويتا ولهذا يستحسن ذمه على ذلك إذا عجز عن الأداء.

ثم انتقل إلى أدلة القائلين بالتراخى فقال:

تمسك القائلون بالتراخى بأن صيغة الأمر ما وضعت إلا لطلب الفعل بإجماع أهل اللغة فلا تقيد زيادة على موضوعها كسائر الصيغ الموضوعة للأشياء. وهذا لأن قوله افعل ليس فيه تعرض للوقت بوجه كما لا تعرض لقوله "فعل ويفعل" على زمان قريب أو بعيد؛ ومتقدم أو متأخر. فكما لا يجوز تغيير الماضي والمستقبل بزمان لا يجوز تغيير الأمر به أيضا. لأن التغيير في المطلق يجرى مجرى النسخ ولهذا لم يتغير بمكان دون مكان.

ويزيد ما قلنا إيضاحا أن مدلول الصيغة طلب الفعل. والفور والتراخى خارجيان إلا أن الزمان من ضرورات حصول الفعل لأن الفعل لا يوجد من العباد إلا في زمان والزمان الأول والثاني والثالث في صلاحيته الحصول واحد فاستوت الأزمنة كلها وصار كما لو قيل افعل في أي زمان شئت فيبطل تخصيصه وتقييده بزمان دون زمان. ألا ترى أنه لو أمره بالضرب مطلقا لا يتقيد بآلة دون آلة وشخص دون شخص وإن كان ذلك من ضروراته فكذا الزمان. فثبت أن الأمر بصيغته لا يفيد الفور.

وكذا الحكم وهو الوجوب لأن الفعل يجوز أن يكون واجبا وإن كان المكلف في أول الوقت مخيرا بين فعله وتركه فيجوز له التأخير ما لم يغلب على ظنه فواته. إن لم يفعله فيكون هذا الأمر مقتضيا طلب الفعل في مدة عمره بشرط أن لا يخلى زمان العمر منه فيثبت الوجوب عليه بوصف التوسع لا بوصف التطبيق.


(١) كشف الأسرار ص ٢٥٤ حـ ١.