للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الطريق لقاصد منى (١). وأما بيعة الشجرة فهى بيعة الرضوان الذي نزل فيها قوله تعالى في سورة الفتح {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} وقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}.

وكانت هذه البيعة في الحديبية على مقربة من مكة لما نزل بها المسلمون وجرت مفاوضات الصلح مع مشركى مكة وأشيع أنهم قتلوا عثمان بن عفان رسول النبي إليهم .. فعاهد النبي المسلمين على قتالهم .. وأناب عن عثمان في البيعة بوضع يده في اليد الأخرى ..

والشجرة شجرة الطلح أمر عمر - رضى الله عنه - بقطعها لما رأى الناس يقصدون إليها ويصلون عندها وخاف عليهم الفتنة لقرب العهد بعبادة الأوثان ..

وتشير الآية الكريمة وفعل الرسول عليه السلام في تمثيل بيعة عثمان - رضى الله عنه - إلى التصافح بالأيدى عند البيعة وإنهاء العهد على الطاعة كما قال ابن خلدون:

هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع. فالبيعة عهد وميثاق بين طرفين أشبه بما يكون بين البائع والمشترى - الخليفة فيها طرف .. والمسلمون الطرف الآخر والتصافح فيها بالأيدى - تأكيد للعهد وشد للميثاق - يعطى كل من الطرفين من نفسه لصاحبه ويأخذ منه لنفسه كما يعطى المشترى الثمن ويسلم البائع المبيع .. يعطى المسلمين من أنفسهم السمع والطاعة وإخلاص النصح والتقويم والمعاونة والتأييد .. ويعطى الإمام التزام السير في سياسة المسلمين على طريق الدين ونهجه وعلى مقتضى كتاب اللّه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والمحافظة على الدين وإقامة حدوده وتنفيذ أحكامه والنظر في المصالح العامة ..

وتصبح البيعة بعد إتمامها قيدًا وثيقا في أعناق الطرفين لا يملكون الفكاك منه أو الرجوع فيه إلا لسبب طارئ يقتضيه .. ومن ثم اختلف الفقهاء فيما إذا عزل الإِمام نفسه بدون سبب هل ينعزل أو لا؟ والأظهر أنه لا ينعزل (٢).

وقد روى أن أبا أبكر - رضي الله عنه - لما ساءه أن تخالفه الزهراء بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد تمام البيعة له قالت: لأدعون عليك عقب كل صلاة .. كان يطوف على الناس يطلب إليهم أن يقيلوه من بيعتهم في عنقه وأن يقيلهم من بيعته في عنقهم .. فلم يقبلوا ولم يعزل نفسه ولو جاز لفعل ..

أما الصورة التي تحولت إليها البيعة في عهد الملوك المكسروية واستمرت حتى صارت البيعة حقيقة عرفية كما يقول ابن خلدون: فهى صورة تتنافى مع أوضاع الدين وأحكامه ولا تتلاءم مع الكرامة الإِسلامية والإنسانية ..

[ولاية العهد]

أما ولاية العهد فيقول فيها ابن خلدون: اعلم إنا قدمنا الكلام في الإِمامة ومشروعيتها لما فيها من المصلحة وأن حقيقتها للنظر في مصالح الأمة لدينهم ودنياهم.

فهو وليهم والأمين عليهم ينظر لهم ذلك في حياته ويتبع ذلك أن ينظره لهم بعد مماته ويقيم


(١) سيرة الصالحى جـ ٣ ص ٢٦٧.
(٢) المقاصد جـ ٢ ص ٢٨٢.