للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خلافهم فى صحة الإجماع، ولا يعتبر وفاقهم فى صحته أيضا، وقيل: يعتبر وفاق العوام فى صحة الإجماع، لأن دليل الإجماع، لما اقتضى بظاهره دخول العوام احتمل أنه لا يتم قول العلماء إجماعا إلا بانقياد العوام لهم وإجابتهم إلى ذلك القول، ولو لم يكن عن اعتقاد لظاهر الأدلة، ولا مانع من وقوف كون الإجماع حجة شرعية على إجابة العوام إذ لا طريق للعقل إلى كونه حجة، وإنما يقتضيه الشرع فقط‍، ويجوز أن يكون فى انقيادهم للعلماء تمام كون قولهم حجة لوجه يعلمه الله تعالى ولا نعلمه فى المصالح الشرعية، ونقطع بذلك لأجل ورود العموم ولم يرد له مخصص، فلو لم يكن على عمومه خصصه الشرع ورد بأنه لما علمنا أنه لا تأثير للإجماع إلا حيث يكون للمجمعين مستند من دليل أو إمارة علمنا أنه لا تأثير لقول من لا مستند له» (١).

ثانيا: دخول الأصوليين وفقهاء

الفروع، والنحويين وغيرهم ممن

لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد المطلق

يصور الغزالى خلاف العلماء فى ذلك فيقول: إذا قلنا: لا يعتبر قول العوام لقصور آلتهم، فرب متكلم ونحوى ومفسر ومحدث هو ناقص الآلة فى درك الأحكام.

فقال قوم: لا يعتد إلا بقول أئمة المذاهب المستقلين بالفتوى، كالشافعى، ومالك، وأبى حنيفة، وأمثالهم من الصحابة والتابعين.

ومنهم من ضم إلى الأئمة، الفقهاء الحافظين لأحكام الفروع، الناهضين بها، لكن أخرج الأصولى الذى لا يعرف تفاصيل الفروع ولا يحفظها (٢).

ويزيد الآمدى علي هذا مستكملا فيقول: ومنهم من عكس الحال وأعتبر قول الأصولى دون الفقيه (٣).

وبالنسبة لغير الأصولى والفقيه فى الفروع، يقرر المقدسى فى روضة الناظر أن من يعرف من العلم ما لا أثر له فى معرفة الحكم كأهل الكلام واللغة والنحو ودقائق الحساب، فهو كالعامى لا يعتد بخلافه فإن كل أحد عامى بالنسبة إلى ما لم يحصل علمه وإن حصل علما سواه، هذا فيمن علمه لا أثر له فى معرفة الحكم، أما إذا كان الكلام فى مسألة تنبنى على النحو مثلا، مثل أن يبنى النحوى مسائل الشرط‍ فى الطلاق على باب الشرط‍ والجزاء فى العربية، ففى الاعتداد بخلافه أو عدم الاعتداد به رأيان (٤).

ورجح الغزالى من هذه الآراء: أنه يعتد بخلاف الأصولى وبخلاف الفقيه المبرز، لأنهما أهل للنظر على الجملة، يقولان ما يقولان عن دليل، أما النحوى والمتكلم فلا يعتد بهما إلا أن يقع الكلام فى مسألة تنبنى على النحو أو على الكلام، وهو يميل إلى اعتبار الأصولى أولى فى الاعتداد به من فقيه الفروع فيقول:


(١) ص ٧٧ ج‍ ٢ من طلعة الشمس.
(٢) المستصفى ص ١٨٢ ج‍ ١.
(٣) الاحكام للأمدى ج‍ ١ ص ٣٨٦.
(٤) روضة الناظر ص ٣٥٠، ٣٥١ ج‍ ١.