للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[القائلون بأن صيغة الأمر تفيد الوجوب على سبيل الحقيقة]

جاء في المنهاج وشرحه: (١)

إن مذهب الجمهور في صيغة الأمر أنها إذا تجردت من القرائن تدل على الوجوب حقيقة وقد نقله في المحصول عن أكثر الفقهاء والمتكلمين وقال إنه الحق وفى الإحكام للآمدى والبرهان لإمام الحرمين أنه مذهب الشافعي وفى شرح اللمع للشيخ أبى إسحق الشيرازى أنه الذي أملاه الأشعرى على أصحاب أبى إسحق الإسفرايينى ببغداد.

ولكن هل يدل على الوجوب بوضع اللغة أو الشرع فيه مذهبان محكيان في شرح اللمع:

الأول: وهو كونه بوضع اللغة نقله في البرهان عن الشافعي ثم اختار هو أنه بالشرع وفى المستوعب قول ثالث أنه بالفعل. وفيما يلي مسلك كل فريق من أرباب هذه المذاهب.

[١ - البيضاوى]

يستدل البيضاوى على مذهب الجمهور بخمسة أوجه بينها الإسنوى في شرحه: (٢)

الأول: أن الله سبحانه ذم إبليس على مخالفته قوله {اسْجُدُوا لِآدَمَ} فقال سبحانه {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} (٣) لأن هذا الاستفهام ليس على حقيقته فإنه تعالى عالم بالمانع فتعين أن يكون للتوبيخ والذم وإذا ثبت الذم على ترك المأمور به ثبت أن الأمر للوجوب إذ لو لم يكن للوجوب لكان لإبليس أن يقول له سبحانه: إنك ما ألزمتنى ففيم ألزم؟

وأيضا لو لم يكن للوجوب لما توجه الذم على أبليس على الترك لأنه غير الواجب لا يذم تاركه.

الدليل الثاني: قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} (٤) أي صلوا.

قال الإسنوى: وتقريره كالذى قبله (٥).

الدليل الثالث: أن تارك الأمر - أي المأمور به - مخالف لذلك الأمر والمخالف عرضة للعذاب يقول الله سبحانه {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (٦) فقد أمر سبحانه مخالف أمره بالحذر من العذاب ولا يكون ذلك إلا بعد قيام المقتضى لوقوع العذاب فثبت أن تارك الأمر عرضة لوقوع العذاب ولا معنى للوجوب إلا هذا.

الدليل الرابع: أن تارك الأمر عاص لقوله سبحانه حكاية عن قول موسى لهارون {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} وقوله تعالى {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} (٧) وكل عاص يستحق النار لقوله سبحانه {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} (٨) عبر بمن التي هي للعموم فدل على ما قلنا فينتج أن تارك الأمر يستحق النار ولا معنى للوجوب إلا ذلك.

الدليل الخامس: أن النبي عليه السلام دعا أبا سعيد الخدرى وهو في الصلاة فلم يجبه فقال الرسول عليه السلام: ما منعك أن تجيب


(١) هامش التقرير والتحبير جـ ١ ص ٢٥٨.
(٢) نهاية السول جـ ١ ص ٢١٦.
(٣) آية ١٢ سورة الأعراف.
(٤) آية ٤٨ سورة المرسلات.
(٥) المصدر السابق.
(٦) آية ٦٣ سورة النور.
(٧) آية ٦ سورة التحريم.
(٨) آية ٢٣ سورة الجن.