للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أما حقوق العباد فمنها ما يعد قدرة وصلاحية أو مكنة لأصحابها فلا تقتضى مطالبة من غيرهم بأدائها لأنها لا تتعلق بذممهم وانما يقوم عليها نشاط‍ أصحابها وتصرفاتهم وسعيهم كحق الملكية وحق التملك وحق التصرف وحق الانتفاع وحق التعاقد وحق الشفعة وحق الولاية بأنواعها وحق أرباب الوظائف فى وظائفهم وحق الادعاء وحق المالك فى اجازة التصرف وحق الواهب فى الرجوع فى هبته وحق الموصى فى الرجوع فى وصيته ونحو ذلك من كل حق لا يتمثل فى مطالبة من الغير بأداء.

ومنها ما يعد من قبيل الواجب المطلوب من الغير أداؤه أثرا لالتزامه وهى كل حق ترتب على التزام صدر من انسان لغيره نتيجة لالزامه نفسه أو لالزام من له الولاية عليه وجملة القول ان فقهاء الشريعة كثيرا ما يطلقون اسم الحق على الالتزام اذا ما نظر اليه من ناحية طالبه وهو لملتزم له ويطلقون عليه اسم الواجب اذا ما نظر اليه من ناحية الملتزم وقد يطلقون عليه اسم الحق فى الناحيتين فيقولون حق له وحق عليه.

وأظهر ما يتمثل فيه الالتزام فى الفقه هو الالتزام بالدين وذلك ما يعنى الالتزام بأدائه ويعده الحنفية مالا حكما له أكثر أحكام المال ويعده غيرهم مالا حقيقة.

وفى جريان أحكام المال جميعها عليه اختلفت الآراء وذلك ما يرجع فيه الى (مصطلح دين).

[انتقال الالتزام]

اذا كان الالتزام (١) التزاما بعمل أو بكف عن عمل فانه يكون التزاما شخصيا لا يقبل الانتقال من ذمة الى أخرى اما اذا كان التزاما بمال فانه يقبل الانتقال بالحوالة وذلك بنقل الدين من ذمة المدين الى ذمة شخص آخر وبناء على هذا النقل تبرأ ذمة المدين وتشغل بالمال ذمة من انتقل المال الى ذمته وهو المحال عليه فيحل محل المدين ويصير مدينا ملتزما للدائن المحال بالدين وذلك بناء على ما ذهب اليه الحنفية من أن الحوالة عقد ينتقل به الدين من ذمة المحيل الى ذمة المحال عليه وهو مذهب الشافعية والحنابلة اذ عرفوها بأنها نقل دين من ذمة المحيل الى ذمة المحال عليه وهو مذهب اليه المالكية من أنها بيع دين بدين (٢) وهذه الحوالة هى ما تعرف بحوالة الدين، أما انتقال الالتزام بالدين الى ذمة أخرى بواسطة البيع ونحوه فيرجع فى بيان أحكامه الى مصطلح دين.

ومما يلاحظ‍ فى الالتزام بالمال أو الالتزام بالدين ان الفقهاء من الحنفية قد ميزوا بين أمرين يتضمنهما هذا الالتزام وهما شغل الذمة بأصل الدين وهذا ما يعبر عنه بوجوب الدين فى الذمة وشغل الذمة بالأداء وهو التزام بفعل وليسا بمتلازمين فيجتمعان فى مدين بدين حال وينفرد بشغل الذمة بالدين دون شغلها بالأداء فى مدين بدين مؤجل وفى مدين لا يعقل كالمجنون والصبى الذى لا يميز اذ ليس أحدهما أهلا لتكليفه والزامه


(١) الروض الندى ص ٢٤١ ونهاية المحتاج ج‍ ٤ ص ٤٠٨ الطبعات السابقة.
(٢) الشرح الصغير ج‍ ٢ ص ١٣٥.