للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثالثًا: حكم انقطاع الولاية بالنسبة للمرتد عن ماله:

جاء في (المغنى) (١): ولا يحكم بزوال ملك المرتد بمجرد ردته في قول أكثر أهل العلم. فعلى هذا إن قتل أو مات زال ملكه بموته؛ وإن راجع الإسلام فملكه باق له. وقال أبو بكر: يزول ملكه بردته؛ وإن راجع الإسلام عاد إليه تمليكًا مستأنفًا؛ لأن عصمة نفسه وماله إنما تبثت بإسلامه؛ فزوال إسلامه يزيل عصمتهما كما لو لحق بدار الحرب؛ ولأن المسلمين ملكوا إراقة دمه بردته وجب أن يملكوا ماله بها؛ لأنه سبب يبيح دمه فلم يزل ملكه كزنا المحصن والقتل لمن يكافئه عمدًا، وزوال العصمة لا يلزم منه زوال الملك، بدليل الزانى المحصن والقاتل في المحاربة وأهل الحرب فإن ملكهم ثابت مع عصمتهم. ولو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه، لكن يباح قتله لكل أحد من غير استتابة وأخذ ماله لمن يقدر عليه؛ لأنه صار حربيًا حكمه حكم أهل الحرب، وكذا لو ارتد جماعة وامتنعوا في دارهم عن طاعة إمام المسلمين زالت عصمتهم في أنفسهم وأموالهم؛ لأن الكفار الأصليين لا عصمة لهم في دارهم فالمرتد أولى (٢).

وإن لحق المرتد بدار الحرب فالحكم فيه كالحكم فيمن هو في دار الإسلام؛ إلا أن ما كان معه من ماله يصير مباحًا لمن قدر عليه كما أبيح دمه؛ وأما أملاكه وماله الذي في دار الإسلام فملكه ثابت فيه؛ يتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه؛ لأنه حي فلم يورث كالحربي الأصلى؛ وحل دمه لا يوجب توريث ماله بدليل الحربي الأصل؛ وإنما حل ماله الذي معه؛ لأنه زال العاصم له فأشبه مال الحربي الذي في دار الحرب. وأما الذي في دار الإسلام فهو باق على العصمة كمَال الحربي الذي مع مضاربه في دار الإسلام أو عند مودعه.

وجاء في موضع آخر من (المغنى) (٣) ويؤخذ مال المرتد فيجعل عند ثقة من المسلمين وإن كان له إماء جُعلن عند امرأة ثقة؛ لأنهن محرمات عليه فلا يمكن منهن؛ وذكر القاضي: أنه يُوَجِّر عقاره وعبيده وإماؤُه؛ والأولى أن لا يفعل؛ لأن مدة إنظاره قريبة ليس في إنظاره فيها ضرر فلا يُفوَّتَ عليه منافع ملكه فيما لا يرضاه من أجلها؛ فإنه ربما راجع الإسلام فيمتنع عليه التصرف في ماله بإجارة الحاكم؛ وإن لحق بدار الحرب أو تعذر قتله مدة طويلة فعل الحاكم ما يرى الحظ فيه من بيع الحيوان الذي يحتاج إلى النفقة وغيره؛ وإجارة ما يرى إبقاءه والمكاتب يؤدى إلى الحاكم فإذا أدى عتق؛ لأنه نائب عنه.

وتصرفات المرتد في ردته بالبيع والهبة والعتق والتدبير والوصية ونحو ذلك موقوف: إن أسلم تبينا أن تصرفه كان صحيحًا؛ وإن قفل أو مات على ردته كان باطلا، وعلى قول أبى بكر: تصرفه باطل؛ لأن ملكه قد زال بردته؛ وإن تزوج لم يصح تزوجه. لأنه لا يقرّ على النكاح، وما منع الإقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة؛ وإن زوج لم يصح تزويجه؛ لأن ولايته على موليته قد زالت بردته؛ وإن زوج أمته لم يصح؛ لأن النكاح لا يكون موقوفًا؛ ولأن النكاح


(١) المرجع السابق: ١٠/ ٨١، ٨٢.
(٢) المغني والشرح الكبير:١٠/ ٨٤.
(٣) المرجع السابق: ١٠/ ٨٢، ٨٣، ٨٤.