للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يحد القاذف، والفرق بين ما ذكر وبين النكاح أن غير النكاح لو أقر به ثبت ولزم بخلاف النكاح، ولأن الأصل عدم النكاح فمدعيه ادعى خلاف الأصل بخلاف من ادعى الطلاق والعتق فإنه ادعى الأصل من حيث إن الأصل في الناس الحرية وعدم العصمة، وأيضا الغالب في النكاح شهرته، فلا يكاد يخفى على الأهل والجيران فالعجز عن إقامة الشاهدين فيه قرينة كذب مدعيه (١).

وجاء في (التاج والإكليل): لو أن رجلا ادعى نكاح امرأة أو العكس أنه لا يمين على المنكر إذ لا يقضى فيه بالنكول، إذ لا ينعقد النكاح بالإيمان (٢).

[مذهب الشافعية]

أولًا: أثر الإنكار في وجوب اليمين على المنكر:

جاء في (مغنى المحتاج): إذا ادعى أحد الخصمين دعوى صحيحة طالب القاضي الخصم بالجواب وإن لم يسأله المدعى؛ لأن المقصود فصل الخصومة وبذلك ينفصل، فإن أقر الخصم بما ادُّعى عليه به حقيقة أو حكما فذاك ظاهر في ثبوته بغير حكم بخلاف البينة، فإنها تحتاج إلى نظر واجتهاد، وللمدعى بعد الإقرار أن يطلب من القاضي الحكم عليه، وإن أنكر الخصم الدعوى، وكانت مما لا يمين فيها في جانب المدعى فللقاضى أن يقول للمدعى: ألك بينة؟ وإن كان الحق مما يثبت بالشاهد واليمين قال له: ألك بينة أو شاهد مع يمين؟ فإن كان اليمين في جانب المدعى لكونه أمينا أو في قسامة قال له: أتحلف ويقول للزوج المدعى على زوجته بالزنا: أتلاعنها؟ وللقاضى أن يسكت ولا يستفهم من المدعى عن البينة تحرزا عن اعتقاد ميله إليه، إلا إذا جهل المدعى أن له إقامة البينة، فلا يسكت بل يجب إعلامه بأن له ذلك (٣).

إذا أصر المدعى عليه على السكوت عن جواب الدعوى لغير دهشة أو غباوة جعل حكمه كمنكر للمدعى به ناكل عن اليمين، وحينئذ فترد اليمن على المدعى بعد أن يقول له القاضي: أجب عن دعواه وإلا جعلتك ناكلا، فإن كان سكوته لنحو دهشة أو غباوة شرح له ثم حكم بعد ذلك عليه، وسكوت الأخرس عن الإشارة المفهمة للجواب كسكوت الناطق، ومن لا إشارة له مفهمة كالغائب، والأصم الذي لا يسمع أصلا إن كان يفهم الإشارة فهو كالأخرس، وإلا فكالمجنون، فلا تصح الدعوى عليه فلو كان البصير الأصم أو الأخرس الذي لا يفهم كاتبا قال الأدزَعِيُّ: يشبه أن يقال كتابته دعوى وجوابا كعبارة الناطق أما إذا لم يُصبَّر المدعى عليه على السكوت فَيُنْظْر، فإن ادعى عليه عَشَرةٌ مثال فقال في جوابه: هي عندى، أو ليس لك عندى شئ فذاك ظاهر، وإن قال: لا تَلزِمِنى العشرة لم يكف ذلك في الجواب حتى يقول: لا تلزمنى العشرةٌ ولا بعضها، وكذا يحلف إن حلفه القاضي؛ لأن مدعى العشرة مدع لكل جزء منها، فاشترط مطابقة الإنكار واليمين دعواه وقوله: لا تلزمنى العشرة، إنما هو نفى لمجموعها، ولا يقتضى نفى كل جزء منها فقد


(١) حاشية الدسوقى: ٤/ ٢٠٠.
(٢) التاج والإكليل: ٨/ ٣٠٦.
(٣) مغنى المحتاج: ٤/ ٣٦٩.