للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بذلك؟ فقال: "لا إنما أنا شافع" فنفى عليه السلام الأمر منه مع ثبوت الشفاعة الدالة على الندب وذلك يدل على أن المندوب غير مأمور به وإذا كان كذلك وجب أن لا يتناول الأمر الندب.

وبما استدلوا به من أن لفظ افعل إما أن يكون حقيقة في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معًا أو فى غيرهما والأقسام الثلاثة الآخرة باطلة فتعين الأول.

لأنه لو كان للندب فقط لما كان الواجب مأمورًا به فيمتنع أن يكون الأمر للندب فقط ولو كان لهما لزم الجمع بين الراجح فعله مع جواز تركه وبين الراجح فعله مع المنع من تركه والجمع بينهما محال. ولو كان حقيقة في غيرهما لزم أن يكون الواجب والمندوب غير مأمور بهما وأن يكون الأمر حقيقة فيما لا ترجح فيه وهو باطل.

ومعلوم أن الأمر يفيد رجحان الوجود على العدم وإذا كان كذلك وجب أن يكون مانعًا من الترك. (١).

ثم قال:

إذا تقرر لك هذا عرفت أن الراجح ما ذهب إليه القائلون بأنها حقيقة في الوجوب فلا تكون لغيره من المعانى إلا بقرينة لما ذكرناه من الأدلة. ومن أنكر استحقاق العبد المخالف لأمر سيده للزم وأنه يطلق عليه بمجرد هذه المخالفة اسم العصيان فهو مكابر ومباهت فهذا يقطع النزاع باعتبار الفعل. وأما باعتبار ما ورد في الشرع وما ورد من حمل أهله للصيغ المطلقة من الأوامر على الوجوب ففيما ذكرناه سابقًا ما يغنى عن التطويل. ولم يأت من خالف هذا بشئ يعتد به أصلا (٢).

[٨ - الشيعة الجعفرية والإباضية]

يقول صاحب قوانين الأصول: (٣)

إن صيغة افعل مع قطع النظر عن القرائن تفيد الوجوب اللغوى وبضميمة المقام يتم الوجوب الاصطلاحى وهذا هو مراد القائل بكونها حقيقة في الوجوب.

وتكلم عن اختلاف الأصوليين في حكم الصيغة (٤) واختار أنها للوجوب قائلًا إنها الأقرب ثم قال: (٥)

التحقيق أن لفظ الأمر حقيقة في الطلب الاستعلائى على سبيل الوجوب وهو المتبادر منه عرفًا وصيغة افعل كثيرًا ما تستعمل في غيرها هذا المعنى فكون الأمر حقيقة في الوجوب لا يستلزم كون افعل حقيقة فيه. ولذلك أفردوا البحث في كل منهما فما اخترناه من كون الصيغة الوجوب إنما هو للتبادر في الصيغة لا من أجل كونها مصداقًا للأمر وإن كنا نقول يكون الأمر أيضًا حقيقة في الوجوب.

وساق من الأدلة ما لا يخرج عما سبق إيراده.

وأما الإباضية فيقرر مذهبهم صاحب طلعة الشمس إذ يقول (٦):

إن حكم الأمر المعروف بأنه طلب فعل غير كف لا على وجه الوفاء هو الوجوب وضعًا وشرعًا ما لم تصرفه عن معنى الوجوب قرينة فإن القول الطالب وإن كان شاملًا في ذاته للوجوب والندب


(١) المصدر السابق ص ٩٦.
(٢) المصدر السابق ص ٩٧.
(٣) قوانين الأصول ص ٨٢.
(٤) المصدر السابق ص ٨٣.
(٥) المصدر السابق ٨٤.
(٦) طلعة الشمس جـ ١ ص ٢٨.