للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يسلم فيه، وإن كان القرض أثمانا أو ما لا مؤنة في حمله وطالبه بها وهما في بلد آخر لزمه أن يدفعه إليه لأن تسليمه إليه في هذا البلد وغيره واحد (١).

[مذهب الظاهرية]

جاء في المحلى أن صاحب الدين إن طالب المدين بدينه والشئ المستقرض حاضر عند المستقرض لم يجز أن يجبر المستقرض على أن يرد الذي أخذ بعينه ولابد، لكن يجبر على رد مثله إما ذلك الشئ وإما غيره مثله من نوعه لأنه قد ملك الذي استقرض وصار كسائر ماله ولا فرق ولا يجوز أن يجبر على إخراج شئ بعينه من ماله إذ لم يوجب عليه قرآن ولا سنة، فإن لم يوجد له غيره قضى عليه حينئذ برده لأنه مأمون بتعجيل إنصاف غريمه فتأخيره بذلك وهو قادر على الإِنصاف ظلم وقد قال النبى - صلى الله عليه وسلم -: "مطل الغنى ظلم" وهذا غنى فمطله ظلم (٢) ومن لقى غريمه في بلد بعيد أو قريب وكان الدين حالا أو قد بلغ أجله فله مطالبته وأخذه بحقه ويجبره الحاكم على إنصافه عرضا كان الدين أو طعاما أو حيوانا أو دنانير أو دراهم كل ذلك سواء ولا يحل أن يجبر صاحب الحق على أن لا ينتصف إلا في الموضع الذي تدانيا فيه، برهان ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مطل الغنى ظلم" وأمره - صلى الله عليه وسلم - أن يعطى كل ذى حق حقه، ومن ادعى أنه لا يجوز أن يجبر على إنصافه إلا حيث تداينا فقد قال الباطل لأنه قول لا دليل عليه لا من قرآن ولا سنة ولارواية سقيمة ولا قول صاحب ولا قياس ولا رأى سديد، ثم يقال له: إن كان التداين بالأندلس ثم لقيه بصين الصين ساكنا هنالك أو كلاهما أترى حقه قد سقط أو يكلف الذي عليه الحق هو وصاحب الحق النهوض إلى الأندلس لينصفه هنالك من مدين، ثم لو طرووا قولهم للزمهم أن لا يجيزوا الإِنصاف إلا في البقعة التي كانا فيها بأبدانهما حين التداين، وهم لا يقولون هذا فنحن نزيدهم من الأرض شبرا شبرا حتى نبلغهم إلى أفصى العالم (٣). وإن أراد الذى عليه الدين المؤجل أن يعجله قبل أجله بما قل أو كثر لم يجبر الذى له الحق على قبوله أصلا، وكذلك لو أراد الذى له الحق أن يتعجل قبض دينه قبل أجله بما قل أو كثر لم يجز أن يجبر الذى عليه الحق على أدائه سواء في كل ذلك الدنانير والدراهم، والطعام كله، والعروض كله، والحيوان، فلو تراضيا على تعجيل الدين أو بعضه قبل حلول أجله أو على تأخيره بعد حلول أجله أو بعضه جاز كل ذلك، وهو قول أبى سليمان وأصحابنا رضى الله تعالى عنهم، وقال المالكيون: إن كان مما لا مؤنة في حمله ونقله أجبر الذي له الحق على قبضه، وإن كان مما فيه مؤنة في حمله ونقله لم يجبر على قبوله قبل محله، قال أبو محمد: وهذا قول فاسد أولا لأنه قولا بلا برهان لا من قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب لا مخالف له ولا قياس ولا رأى شديد، وثانيا: لأن شرط الأجل قد


(١) المرجع السابق جـ ٤ ص ٣٢٥ نفس الطبعة.
(٢) المحلى لأبى محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم جـ ٨ ص ٧٩، ٨٠ مسألة رقم ١١٩٧ الطبعة الأولى بتحقيق محمد منير الدمشقى طبع إدارة الطباعة المنيرية بمصر سنة ١٣٥٩ هـ.
(٣) المرجع السابق جـ ٨ ص ٨٠، ص ٨١ مسئلة رقم ١١٩٩ نفس الطبعة.