للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كأن يقول له: إن نكلت عن اليمين حلف المدعى وأخذ منك الحق، وليس هذا من تلقين الدعوى، فإن لم يفعل وحكم بنكوله نفذ حكمه لتقصير المدعى عليه بترك البحث عن الحكم النكول، وقول القاضي للمدعى: احلف يعتبر حكما بنكول المدعى عليه، وفى الروضة كأصلها نزل منزلة الحكم، فليس للمدعى عليه أن يحلف بعد هذا إلا برضا المدعى؛ لأن الحق له (١).

واليمين المردودة برد المدعى عليه أو القاضي كالبينة التي يقيمها المدعى على قول، وفى الأظهر تعتبر كإقرار المدعى عليه؛ لأنه بنكوله توصل للحق فأشبه إقراره، ويتفرع على القولين ما لو أقام المدعى عليه بينة بأداء أو إبراء أو غير ذلك من المسقطات؛ لم تسمع هذه البينة على القول الثاني، وإن خالف في ذلك البلقينى لتكذيبه لها بإقراره، أما على القول الأول فإنها تسمع، وإن نكل المدعى عليه وردت اليمين على المدعى فلم يحلف ولم يتعلل بشئ أي لم يبد علة ولا عذرًا، ولا طلب مهلة سقط حقه من اليمين المردودة وغيرها لإعراضه وليس له ردها على المدعى؛ لأن اليمين المردودة لا ترد، وليس له في هذا المجلس ولا غيره مطالبة خصمه إلا أن يقيم بينة كما لو حلف المدعى عليه، وإن تعلل المدعى بإقامة بينة أو سؤال ففيه هل يجوز له الحلف أولا أو مراجعة حساب أو بأن يتروى أمهل ثلاثة أيام ولا يزاد عليها؛ لأنها مدة معتبرة شرعًا. فإن لم يحلف بعدها سقط حقه من اليمين، وقيل: يمهل أبدًا؛ لأن اليمين حقه فله تأخيره إلى أن يشاء كالبينة، وإن استمهل المدعى عليه حين استحلف لينظر حسابه لم يمهل إلا برضاء المدعى؛ لأنه مقهور على الإقرار، واليمين بخلاف المدعى فإنه مختار في طلب حقه وتأخيره، وقيل: يمهل ثلاثة من الأيام كالمدعى، واختاره الرويانى. ولو طلب المدعى عليه الإمهال في ابتداء الجواب ليراجع حسابه ونحوه أمهل إلى آخر المجلس، قال في الروضة: إن شاء المدعى، وقال ابن المقرى: إن شاء القاضي، وهو ظاهر كلام الرافعى، وهذا أولى (٢).

[ثالثا: ظهور البينة بعد اليمين]

جاء في (مغنى المحتاج): أنه إذا أنكر المدعى عليه الدعوى وسئل عن بينته فإن قال: لى بينة وأقامها فذاك، أو قال: أريد تحليفه فله ذلك؛ لأنه إن تورع عن اليمين وأقر، سهل الأمر على المدعى واستغنى عن إقامة البينة، وإن حلف أقام المدعى البينة وأظهر خيانته وكذبه فله في طلب تحليقه غرض ظاهر، واستثنى البلقينى ما إذا ادعى لغيره بطريق الولاية أو النظر أو الوكالة، أو أدعى لنفسه، ولكن كان محجورًا عليه بسفه أو فلس أو مأذونًا له في التجارة أو مكاتبًا فليس له ذلك في شئ من هذه الصور لئلا يحلف المنكر ثم يرفعه لحاكم يرى منع البينة بعد الحلف فيضيع الحق، وإن قال المدعى: لا بينة لى وأطلق أو زاد لا بينة لى حاضرة ولا غائبة أو كل بينة أقيمها فهى باطلة أو كاذبة أو زور وحلفه ثم أحضرها قبلت في الأصح؛ لأنه ربما لم يعرف له بينة أو نسى ثم عرف أو تذكر، ومقابل الأصح: أن بينة المدعى لا تقبل بعد حلف المدعى عليه للمناقضة حيث قال أولًا: لا بينة لى إلا أن يذكر لكلامه تأويلا ككنت ناسيًا أو جاهلًا. ونسبة الماوردى والرويانى إلى الأكثرين، أما لو قال: لا


(١) مغنى المحتاج: ٤/ ٤٣٩.
(٢) المرجع السابق: ٤/ ٤٤٠.