للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولما كان الأمر هو قسمان من الكتاب العزيز فقد عنى الأصوليون بالمباحث الخاصة به أيما عناية:

والأمر يطلق على اللسانى مثل قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} وعلى النفس قبل طلب الصلاة القائم بنفس الآمر سبحانه. والأمر الأول اللسانى هو المراد هنا لأنه من الأدلة السمعية التي يبحث عن أحوالها في علم أصول الفقه. والأمر الثاني النفسى نوع من الأحكام الشرعية التي هي عبارة عن الخطابات النفسية القائمة بذات الله سبحانه. والبحث عنه في علم التوحيد. وإنما تعرض بعض الأصوليين له هنا مع أنه ليس من موضوعهم لغلبة علم الكلام عليه وشدة اهتمامهم به واستكمالًا للبحث.

وقد عرف الأصوليون الأمر بتعريفات عديدة نبينها فيما يأتى:

أولًا: معنى الأمر عند المتكلمين:

١ - الغزالى: (١)

الأمر قسم من أقسام الكلام، وحده أنه القول المقتضى طاعة المأمور بفعل المأمور به، وقيل إنه طلب الفعل واقتضاؤه على غير وجه المسألة ممن هو دون الآخر في الدرجة.

والقيد الأخير "ذكره بعضهم" احترازًا عن قوله: "اللهم اغفر لى" وعن سؤال العبد من سيده والولد من والده ولا حاجة إلى هذا الاحتراز، بل يتصور من العبد والولد أمر السيد والوالد وإن لم تجب عليهما الطاعة فليس من ضرورة كل أمر أن يكون واجب الطاعة بل الطاعة لا تجب إلا لله تعالى. والعرب قد تقول فلان أمر أياه والعبد أمر سيده ونحوهما ممن يعلم أن طلب الطاعة لا يحسن منه فيرون ذلك أمرًا وإن لم يستحسنوه. وكذلك قوله "اغفر لي" فلا يستحيل أن يقوم بذاته اقتضاء الطاعة من الله تعالى أو من غيره فيكون آمرًا ويكون عاصيًا بأمره. (٢)

فإن قيل: قولكم الأمر هو القول المقتضى طاعة المأمور أأردتم به القول اللسانى؟ أم كلام النفس؟

قلنا: الناس فيه فريقان:

الفريق الأول هم المثبتون لكلام النفس. وهؤلاء يريدون بالقول ما يقوم بالنفس من اقتضاء الطاعة وهو الذي يكون النطق عبارة عنه ودليلًا عليه. وهو قائم بالنفس وهو أمر بذاته وجنسه ويتعلق بالمأمور به ويُدل عليه تارة بالإشارة والرمز والفعل، وتارة بالألفاظ، وهذه الألفاظ الدالة على معنى الأمر تسمى أمرًا وكأن الاسم مشترك بين المعنى القائم بالنفس وبين اللفظ الدال فيكون حقيقة فيهما. أو يكون حقيقة في المعنى القائم بالنفس وقوله "افعل" يسمى أمرًا مجازًا.

الفريق الثاني هم المنكرون لكلام النفس وهؤلاء انقسموا إلى ثلاثة أصناف وتحزبوا على ثلاث مراتب:

الحزب الأول: قالوا لا معنى للأمر إلا


(١) المستصفى من علم الأصول حجة الإسلام أبى حامد الغزالى.
الطبعة الأولى المطبعة الأميرية جـ ١ ص ٤١١.
(٢) المصدر السابق ص ٤١٢.