للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أمها فأقرت ثم أذن لها بالزفاف فلا يصح اقرارها لكونها فى معنى المكرهة (١). ولو أن لصوصا من المسلمين غير المتأولين أو من أهل الذمة تجمعوا فغلبوا على مصر من أمصار المسلمين وأمروا عليهم أميرا فأكرهوا رجلا على أن يقر بألف درهم فأقر لهم بخمسمائة كان باطلا لأنهم حين أكرهوه على ألف فقد أكرهوه على أقل منها فالخمسمائة بعض الألف ومن ضرورة امتناع صحة الاقرار بألف اذا كان مكرها امتناع صحة اقراره بما هو دونه.

ولأن من عادات الظلمة اذ يكرهون المرء على الاقرار بالكثير ويقنعون منه بالبعض فبهذا الطريق جعل مكرها على ما دون الألف. ولو أقر بألفين لزمه ألف درهم لأنه طائع فى الاقرار بأحد ألفين وليس من عادات الظلمة أن يتحكموا على المرء بمال ومرادهم أكثر من ذلك ولو أقر بألف دينار لزمته لأن الدراهم والدنانير جنسان حقيقة فيكون طائعا فى جميع ما أقر به الجنس الآخر. ولا يقال الدراهم والدنانير جعلا كجنس واحد فى الأحكام لأن هذه فى الانشاءات فأما فى الاخبارات فمنها جنسان كذلك لو أقر بنصف غير ما أكرهوه عليه من المكيل أو الموزون فهو طائع حتى أقر به ولو أكرهوه على الاقرار له بألف فأقر له ولفلان الغائب بألف فالاقرار كله باطل فى قول أبى حنيفة وأبى يوسف سواء أقر الغائب بالشركة أو أنكرها. وقال محمد ان صدقه الغائب فيما أقر به بطل الاقرار كله وان قال لى عليه نصف هذا المال ولا شركة بينى وبين هذا الذى اكرهوه على الاقرار له جاز الاقرار للغائب بنصف المال لأنه لم يكره على الاقرار (٢) له. ولو أكرهوه على أن يقر له بألف درهم فوهب له الألف درهم جاز لأن الهبة غير الاقرار والممتنع من الاقرار قد لا يكون ممتنعا من الهبة فكان هو فى الهبة طائعا (٣). ولو أكره بوعيد تلف أو غير تلف على أن يقر بأنه لا قول له قيل هذا الرجل ولا بينة له عليه فالاقرار باطل لأن الاكراه دليل على أنه كاذب فيما أقر به. ولو أكره على أن يقر بأنه لم يتزوج هذه المرأة وأنه لا بينة له بذلك أو على أن هذا ليس بعبده وأنه حر الأصل فاقراره بذلك باطل لأن الاكراه دليل على أنه كاذب فيما أقر به فلا يمنع ذلك قبول بينة على ما يدعيه من النكاح والرق بعد ذلك (٤).

[مذهب المالكية]

الاكراه على الاقرار كالاكراه على الطلاق فى عدم اللزوم نحو قوله ان لم تقر بأن لى فى ذمتك كذا قتلتك فأقر لم يلزمه بذلك الاقرار شئ (٥). أما الاكراه على أن يقر بأنه سرق فانما يكون بالقتل والضرب والسجن والقيد فاذا خوف بشئ من ذلك من حاكم أو غيره فأقر بها لم تلزمه السرقة عند ابن القاسم حتى لو أخرج السرقة التى أقر بها مكرها لاحتمال وصول المسروق اليه من غيره. الا أن يقر بعد الاكراه آمنا كما فى المدونة.

وقال سحنون يعمل باقرار المتهم


(١) المرجع السابق ج‍ ٥ ص ١٢٠.
(٢) المبسوط‍ للسرخسى ج‍ ٢٤ ص ٥٢.
(٣) المرجع السابق ج‍ ٢٤ ص ٦١.
(٤) المرجع السابق ج‍ ٢٤ ص ٨٤، ٨٥.
(٥) الدسوقى على الشرح الكبير ج‍ ٢ ص ٣٦٩