للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

موسى عليه السلام للسحرة حين خيروه بين أن يبدأ بالإلقاء أو أن يبدأوا. وكذلك التكوين نحو قوله سبحانه {كُنْ فَيَكُونُ} (١) أيضًا الخبر مثل قوله عليه السلام "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" وجعل عكس ذلك قوله سبحانه {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} (٢) وقوله عليه السلام "لا تنكح المرأة المرأة". (٣)

ويقول الإسنوى في هذا المقام (٤): إن هذه المعانى لصيغ يمتاز بعضها عن بعض بالقرائن ثم يقول: وسيأتي أن إطلاقها على ما عدا الإيجاب من هذه المعانى مجاز والمجاز لابد فيه من علاقة.

واعترض الإسنوى على التمثيل للإباحة بقوله سبحانه {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} (٥) فإن الأكل والشرب واجبان لإحياء النفس فالصواب حمل كلام المصنف على إرادة قوله تعالى {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}. (٦) ثم إنه يجب أنْ تكون الإباحة معلومة من غير الأمر حتى تكون قرينة لحمله على الإباحة كما وقع به العلم هنا والعلاقة هي الإذن وهى مشابهة معنوية أيضا (٧) وقد أطال الإسنوى بذكر علاقات المجاز واستطرادات أخرى في المقام منها بيان الفرق بين الإباحة والامتنان والكلام في أن الأدب من المندوب أو قريب منه وأن الأكل مما يليه واجب والفرق بين التكوين والتسخير وبين الاحتقار والإهانة.

ثانيًا: الحنفية

يقول اليزدوى: (٨) إن من الناس من قال: إن الأمر مجمل في حق الحكم لا يجب به حكم إلا بدليل زائد، واحتجوا بأن صيغة الأمر استعملت في معان مختلفة: الإيجاب والندب والإباحة والتقريع والتوبيخ فإذا اختلفت وجوهه لم يجب العمل به إلا بدليل.

وعلق البخارى على ذلك بأن المشهور في الوجوه التي تستعمل فيها صيغة الأمر لها ثمانية عشر: الوجوب. والندب. والإرشاد، والإباحة، والإكرام والامتنان، والإهانة، والتسوية، والتعجب، والتكوين وكمال القدرة، والاحتقار والإخبار والتهديد ويقرب منه الإنذار، والتعجيز، والتسخير، والتمنى، والتأديب، والدعاء وقد قال البخارى إن التكوين وكمال القدرة شئ واحد وإن عبر بعضهم بالتكوين وبعضهم بكمال القدرة مع أن التمثيل مشترك وهو قوله تعالى: {كُنْ فَيَكُونُ}.

وقد فرق بين الإرشاد والندب بما فرق به الغزالى مما تقدم ومثل للتعجب بقوله سبحانه {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} (٩) أي ما أسمعهم وما أبصرهم.

وأما ابن الملك فإنه لم يتعرض لهذا الموضوع إلا على سبيل الاستطراد في بيان أن هذه


(١) آية ٤٧ سورة آل عمران.
(٢) آية ٢٣٣ سورة البقرة
(٣) رواه ابن ماجه والدارقطنى بلفظ "لا تزوج المرأة المرأة" كما في بلوغ المرام بشرح سبل السلام ص ١٢٠ جـ ٢.
(٤) نهاية السول جـ ١ ص ٢٥٤.
(٥) آية ٣١ سورة الأعراف.
(٦) آية ٥١ سورة المؤمنون.
(٧) المصدر السابق من ٢٥٥.
(٨) كشف الأسرار جـ ١ ص ١٠٧.
(٩) آية ٣٨ سورة مريم.