للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كالوجهين في الشهود إذا طلب من بعضهم أداء الشهادة وقضية الأول أنه يصير بالامتناع عاضلا فيزوج السلطان، قال الزركشى رحمه الله تعالى: وهو مشكل إذ كيف يزوج مع وجود ولى آخر في درجة الممتنع والأقرب أنه يزوج هنا بإذنهم وينبغى ضبط مدة المراجعة بمسافة القصر. وما قاله مخالف للروضة وأصلها من أن السلطان إنما يزوج عند امتناع الجميع (١).

[مذهب الحنابلة]

جاء في المغنى أن الولى الأقرب إذا عضل المرأة انتقلت الولاية إلى الأبعد، نص عليه أحمد رضى الله تعالى عنه، وعنه رواية أخرى تنتقل إلى السلطان وهو اختيار أبى بكر، وذكر ذلك عن عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه وشريح وبه قال الشافعي رضى الله تعالى عنه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فإن اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له" ولأن ذلك حق علمه امتنع من أدائه فقام الحاكم مقامه كما لو كان علمه دين وامتنع من قضائه. ويدل لنا أنه تعذر التزويج من جهة الأقرب فملكه الأبعد كما لو جن ولأنه يفسق بالعضل فتنتقل الولاية عنه كما لو شرب الخمر، فإن عضل الأولياء كلهم زوج الحاكم، والحديث حجه لنا لقوله - صلى الله عليه وسلم - "السلطان ولى من لا ولى له"، وهذه لها ولى ويمكن حمله على ما إذا عضل الكل لأن قوله "فإن اشتجروا" ضمير جمع يتناول الكل. والولاية تخالف الدين من وجوه ثلاثة أحدها أنها حق للولى والدين حق علمه. الثاني أن الدين لا ينتقل عنه والولاية تنتقل لعارض من جنون الولى وفسقه وموته. الثالث: أن الدين لا يعتبر في بقائه العدالة، والولاية يعتبر لها ذلك وقد زالت العدالة بما ذكرنا، فإن قيل فلو زالت ولايته لما صح منه التزويج إذا أجاب إليه، قلنا فسقه بامتناعه، فإذا أجاب فقد نزع عن المعصية وراجع الحق فزال فسقه فلذلك صح تزويجه. ومعنى العضل منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه قال معقل بن يسار زوجت أختا لى من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثحم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدا وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله تعالى هذه الآية "ولا تعضلوهن" (٢) فقلت الآن أفعل يا رسول الله، قال فزوجها إياه (٣). وسواء طلبت التزويج بمهر مثلها أو دونه وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد رضى الله تعالى عنهم، وقال أبو حنيفة لهم منعها من التزويج بدون مهر مثلها لأن عليهم في ذلك عارا وفيه ضرر على نسائها لنقص مهر مثلهن. ويدل لنا أن المهر خالص حقها وعوض يختص بها فلم يكن لهم الاعتراض عليها فيه كثمن عبدها وأجرة دارها ولأنها لو أسقطته بعد وجوبه سقط كله فبعضه أولى، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل أراد أن يزوجه: التمس ولو خاتما من حديد. وقال لامرأة زوجت بنعلين: أرضيت بنعلين من نفسك؟ قالت نعم فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقولهم فيه عار عليهم ليس كذلك، فإن عمر رضى الله عنه قال: لو كان مكرمة في الدين أو تقوى عند الله


(١) المرجع السابق جـ ٣ ص ١٥١ نفس الطبعة.
(٢) الآية رقم ١٩ من سورة النساء.
(٣) رواه البخارى.