للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

انقطاع المُسلم فيه

[مذهب الحنفية]

جاء في (تبيين الحقائق): أنه لا يجوز السلم في الشئ المنقطع؛ لأن شرط جواز السلم أن يكون موجودًا من حين العقد إلى حين المحل حتى لو كان منقطعًا عند العقد موجودًا عند المحل أو بالعكس، أو منقطعًا فيما بين ذلك لا يجوز.

وحد الانقطاع أن لا يوجد في الأسواق وإن كان في البيوت، ودليلنا ما روى عن أنس - رضى الله عنه - "أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمرة حتى تزهى". قالوا: وما تزهى؟ قال: "تحمر" وقال "إذا منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه" (١). وعن ابن عمر رضى الله عنهما - "أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها" (٢). نهى البائع والمبتاع. وفى لفظ: "حتى تبيض وتأمن من العاهة" (٣). وهذا نص على أنه لا يجوز في المنقطع في الحال؛ إذ الحديث ورد في السلم لأن بيع الثمار بشرط القطع جائز لا يمنع أحد بيع مال معين منتفع به في الحال أو في المآل.

وقوله عليه السلام: "فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ ". وهو رأس مال السلم يدل عليه؛ لأن احتمال بطلان البيع بهلاك المبيع قبل القبض لا يؤثر في المنع من البيع؛ ولأن القدرة على التسليم حال وجوده شرط لجوازه؛ وفى كل وقت بعد العقد يحتمل وجوبه بموت المسلم إليه؛ لأن الديون تحل بموت من عليه الدين فيشترط دوام وجوده لتدوم القدرة على التسليم بالتحصيل في المدة؛ ولا بد من استمرار الوجود فيها ليتمكن من التحصيل. ولو انقطع عن أيدى الناس بعد المحل قبل أن يوفى المسلم فيه فرب السلم بالخيار إن شاء فسخ العقد وأخذ رأس ماله. وإن شاء انتظر وجوده.

وقال زفر رحمه الله تعالى: يبطل العقد ويسترد رأس ماله للعجز عن تسليمه كما إذا هلك المبيع قبل القبض. قلنا: إن السلم قد صح وتعذر تسليم المعقود عليه بعارض على شرف الزوال فيخير فيه؛ كما إذا أبق العبد المبيع قبل القبض. بخلاف هلاك المبيع قبل القبض؛ لأنه قد فات لا إلى خلف؛ وبخلاف ما إذا اشترى بالفلوس شيئًا وكسدت حيث يبطل البيع بها؛ لأنها تفوت أصلًا ولا يرجى زواله ولو رُجى لا يعلم متى تروج، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن لإدراك الثمر والقدرة على التسليم أوانًا معلومًا فيتخير، ولا يجوز السلم في السمك الطرى؛ لأنه ينقطع عن أيدى الناس في الشتاء لتجمد المياه. حتى ولو كان في بلد لا ينقطع فيه السمك أو أسلم فيه من حينه جاز وزنًا لا عددًا؛ وعن أبى حنيفة - رحمه الله تعالى أنه لا يجوز في الكبار التي تنقطع كالسلم في اللحم؛ لاختلاف الناس في نزع عظمها واختلاف رغباتهم في مواضعها.

قال صاحب (تبيين الحقائق): وإن كان السمك مالحًا جاز للمسلم فيه وزنًا لا عددًا؛ لأن


(١) صحيح البخارى. كتاب البيوع، باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة. وصحيح مسلم؛ كتاب المساقاة؛ باب وضع الجوائع.
(٢) صحيح البخارى في موضعين: كتاب الزكاة، باب من باع ثماره أو نخله .. إلخ. وكتاب البيوع؛ باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، وصحيح مسلم، كتاب البيوع؛ باب النهى عند بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط.
(٣) الحديث بنحوه في صحيح مسلم؛ كتاب البيوع، باب النهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط.