للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عند رجل فطلب المرتهن دينه أجبر الراهن على قضاء الدين ولا يكلف المرتهن بإحضار الرهن لأن قضاء الدين واجب على الراهن على سبيل التضييق إلا أنه رخص له التأخير إلى غاية إحضار الدين عند القدرة على الإحضار وهنا لا قدرة للمرتهن على إحضاره لأن للعدل أن يمنعه عنه، ولو أخذه من يده جبرا كان غاصبا، وإذا سقط التكليف بالإحضار زالت الرخصة فيخاطب بقضاء الدين، وكذلك إذا وضعا الرهن على يد عدل فغاب العدل بالرهن ولا يدرى أين هو لا يكلف المرتهن بإحضار الرهن ويجبر الراهن على قضاء الدين لما ذكرناه ولو كان الرهن في يد المرتهن فالتقيا في بلد آخر فطالب المرتهن الراهن بقضاء دينه، فإن كان الدين مما له حمل ومؤنة يجبر الراهن على قضاء الدين ولا يجبر المرتهن على إحضار الرهن لما ذكرنا من أن قضاء الدين واجب عليه على سبيل التضييق والتأخير إلى وقت الإحضار للضرورة التي ذكرناها عند القدرة على الإحضار من غير ضرر زائد، والمرتهن هنا لا يقدر على الإِحضار إلا بالمسافرة بالرهن أو بنقله من مكان العقد وفيه ضرر بالمرتهن فسقط التكليف بالإِحضار. ولو ادعى الراهن هلاك الرهن فقال المرتهن لم يهلك. فالقول قول المرتهن مع يمينه لأن الرهن كان قائما والأصل في الثابت بقاؤه فالمرتهن يستصحب حالة القيام والراهن يدعى زوال تلك الحالة، والقول قول من يدعى الأصل لأن الظاهر شاهد له ولأن الراهن بدعوى الهلاك يدعى على المرتهن استيفاء الدين وهو منكر فكان القول قوله مع يمينه ويحلف على البتات لأنَّهُ يحلف على فعل نفسه وهو القبض السابق لأن المرتهن لا يصير مستوفيا بالهلاك لأنَّهُ لا صنع له فيه بل بالقبض السابق وذلك فعله بخلاف ما إذا كان الرهن عند عدل. فغاب بالرهن فاختلف الراهن والمرتهن في هلاك الرهن أن هناك يحلف المرتهن على العلم لا على البتات لأن ذلك تحليف على فعل غيره وهو قبض العدل فتعذر التحليف على البتات فيحلف على العلم كما لو أدعى الراهن أنه أوفى الدين وكيل المرتهن والمرتهن ينكر، أنه يحلف على العلم لما ذكرنا، كذا هذا، وإن كان الرهن مما لا حمل له ولا مؤنة فالقياس أنه يجبر على قضاء الدين، وفى الاستحسان لا يجبر ما لم يحضر المرتهن الرهن لأنَّهُ ليس في إحضاره ضرر زائد (وعلى هذا الأصل مسائل في الزيادات)، ولو اشترى شيئا ولم يقبضه ولم يسلم الثمن حتَّى لقيه البائع في غير مصره الذي وقع البيع فيه فطالبه بالثمن وأبى المشترى حتَّى يحضر المبيع لا يجبر المشترى على تسليم الثمن حتَّى يحضر البائع المبيع سواء كان له حمل ومؤنة أو لم يكن، فرق بين البيع والرهن، ووجه الفرق أن البيع معاوضة مطلقة والمساواة في المعاوضات المطلقة مطلوبة عادة وشريعة، ولا تتحقق المساواة من غير إحضار المبيع بخلاف الرهن لأنَّهُ ليس بمعاوضة مطلقة، وإن كان فيه معنى المعاوضة فلا يلزم اعتبار المساواة بين المرهون والمرهون به وهو الدين في هذا الحكم (١).

[مذهب المالكية]

جاء فى التاج والإِكليل نقلا عن المدونة أن الشخص إن باع من رجل سلعة على أن يرهنه عبده ميمونا بحقه ففارقه المشترى قبل أن يقبض


(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لأبى بكر بن مسعود الكاسانى جـ ٦ ص ١٥٣، ص ١٥٤ الطبعة الأولى طبع مطبعة الجمالية بمصر سنة ١٣٢٨ هـ سنة ١٩١٠ م.