للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الأصوليين في هذا المجال تكلم عن مذهب الحنابلة فقال (١):

الأمر خال عن التعرض لكمية المأمور به إذ ليس في نفس اللفظ تعرض للمسدد ولا هو موضوع لآحاد الأعداد كوضع اللفظ المشترك لكنه محتمل للإتمام ببيان الكمية فهو كقوله "اقتل".

لا تقول هو مشترك بين زيد وعمرو ولا فيه تعرض لهما فتفسيره بهما أو بأحدهما زيادة على كلام ناقص بإتمامه بلفظ دل على تلك الزيادة لا بمعنى البيان فحصل من هذا أنه ذمته تبرأ بالمرة الواحدة لأن وجوبها معلوم والزيادة لا دليل عليها ولم يتعرض اللفظ لها فصار الزائد كما كان قبل الأمر فإنا كنا نقطع بانتقاء الوجوب فقوله "صم" أزال القطع في مرة واحدة فصار كما كان.

ويقصد هذا باليمين والنذر والوكالة والخبر بيانه أنه لو قال: والله لأصومن أو لله على أن أصوم بر بصوم يوم.

وعلق صاحب نزهة الخاطر على الدليل الذي ساقه المصنف فقال (٢):

حاصل ما ذكره من الدليل على عدم التكرار وجهان:

أحدهما: أن صيغة الأمر لا دلالة لها إلا على مجرد إدخال ماهية الفعل في الوجود ولا دلالة لها على كمية أي على مقداره من حيث العدد. فإذا قال له صل فإنما اقتضى ذلك إيقاع حقيقة الصلاة لا على عدد معين ولا مطلق حتى يجب لأجله التكرار وحقيقة الصلاة تحصل بالمرة الواحدة فيخرج بها عن العهدة فلا يجب ما زاد عليها وذلك معنى قولهم أنه لا يقتضى التكرار.

الثاني: أن الأمر لو اقتضى التكرار لكان قول القائل "صل مرة" تناقضًا لأن "صل" بوضعه يقتضى التكرار وبقوله مرة قد نقض مقتضاء في التكرار وكذا لو قال صل مرارًا لكان تكرارًا لان صل بوضعه يقتضى التكرار فقوله مرارًا لم يفد فائدة زائدة فكان تكرارًا لكن قوله صل مرة أو مرارًا ليس نقضًا ولا تكرارًا.

[٤ - الظاهرية]

قال ابن حزم (٣):

إذا ورد اختلف الناس في الأمر بفعل ما هل يخرج من فعله مرة واحدة عن اسم المعصية؟ أم يتكرر عليه الأمر أبدًا فيلزمه التكرار ما أمكنه؟

ثم قال والصواب أن المطيع غير العاصى ومحال أن يكون الإنسان مطيعًا عاصيًا من وجه واحد.

فمن أمر بفعل ما ولم يأت نص بإيجاب تكراره ففعله فقد استحق اسم المطيع وارتفع عنه اسم عاص بيقين وكل شئ بطل بيقين فلا يعود إلا بيقين من نص أو إجماع.

ثم يقول: إن الذي تكلم في هذه المسألة هم القائلون بقول الشافمى رحمه الله في تكرار الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل صلاة لأجل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (٤) ولو كان ما احتجوا به من


(١) روضة الناظر جـ ٢ من ٨٠.
(٢) المصدر السابق جـ ٢ من ٨٠.
(٣) الأحكام لابن حزم جـ ٣ ص ٧٠.
(٤) آية ٥٦ سورة الأحزاب.