للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الإنابة في الحج]

ذهب الشافعية إلى جواز الإنابة في الحج وأنه يجب على من عجز عنه أن يستنب غيره ليحج بدله إما باستئجار عليه وإما بالإنفاق عليه ويتحقق العجز بوجود عاهة أو بكبر سن أو مرض لا يرجى زوالة بقول طيبين أو باقتناعه إن كان عارفا بالطب. وحد العجز أن يكون على حالة لا يستطيع معها أن يثبت على راحلة إلا بمشقة شديدة لا تحتمل عادة وتجب الإنابة على الفور إذا عجز بعد الوجوب والتمكن من الحج وعلى التراخى إذا عجز قبل ذلك أو بعده وكان غير متمكن على الأداء وبشرط في المستنب العاجز أن يكون بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر فإن قلت المسافة عن ذلك لم تجز الإنابة بل يلزمه المباشرة بنفسه فإن عجز في هذه الحال أحج عنه غيره بعد موته من تركته ولكن إذا أنهكه المرض وصار بحالة لا يحتمل معها الحركة جازت أنابته حينئذ في حياته ويشترط أن يكون النائب قد أدى فرضه وأن يكون ثقة عدلا وإذا كانت الاستنابة بطريق الإجارة اشترط معرفة العاقدين أعمال ما تحت الإجارة عليه من حج أو عمرة وأن يكون الأجير قادرا على الشروع في العمل فلا تصح إنابة أجير لا يستطيع وإذا برئ المستنيب العاجز بعد حج النائب لزمه الحج بنفسه بعد شفائه وكما تجوز الإنابة في الحج عن الأحياء تجوز عن الأموات ويكون ذلك من التركة فإن لم يكن للمتوفى تركة فلا تجب الإنابة وإنما يسن للوارث أو الأجنبى وإن لم يأذنه الوارث أن يؤديه بنفسه أو بالإنابة وهذا في الحج والعمرة الواجبين فإن لم يكونا واجبين فلا يحج من تركته وهذا كله في حج الفرض أما في النفل فلا يجوز الحج أو العمرة عنه بعد الوفاة إلا إذا أوصى المتوفى بذلك (١). وتجوز الإنابة في الحج والعمرة عند العجز ويندرج فيهما توابعهما المتقدمة والمتأخرة كركعتى الطواف (٢). ومن هذا جواز الإحرام عن الصغير الذي لم يميز والمجنون حتى وليه كما يجوز رمى الولى عنهما إذا قام بالحج عنهما (٣). وإذا عجز الحاج عن الرمى لعلة لا يرجى زوالها قبل فوات وقت الرمى كمرض أو حبس استناب من يرمى عنه وجوبا وبذلك صرح الاسنوى وقال أنه المتجه ولو كان ذلك بأجرة وسواء أن يكون النائب حلالا أو محرما لأن الاستنابة جائزة في النسك فكذلك في أبعاضه وتوابعه ولا فرق في الحبس بين أن يكون بحق أو بغير حق والحبس في الدين المقدور على وفائه لا يعد عجزا. وجاء في المجموع قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله العاجز عن الرمى بنفسه في حج الفرض لمرض أو حبس ونحوهما يستنب من يرمى عنه سواء كان المرض مرجو الزوال أو غير مرجو الزوال وسواء استناب بأجرة أم بغيرها وسواء استناب رجلا أم امرأة وقالوا أيضا ويستحب أن يناول المستنب النائب الحصى ليرميه ويكبر المستنب العاجز عند الرمى ولو ترك المناولة مع القدرة صح ذلك وأجزأه رمى النائب لوجود العجز عن الرمى كما قالوا أن الاستنابة في الرمى تجوز للمحبوس سواء أكان


(١) المرجع السابق ج ٢ ص ٢٣٠ وما بعدها إلى ص ٢٤٥.
(٢) نهاية المحتاج ج ٥ ص ٢٢.
(٣) المرجع السابق ج ٣ ص ٢٣٠ وما بعدها.