للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المروزى عن أحمد أننا نفعل بهم مثل ما يفعلون بنا من ذلك ونقل الأشرم عنه أن أحمد قال: إنى أكره ذلك إلا أن يكون يغيظهم وينال منهم (١).

ويجوز لأمير الجيش أن يغوّر عليهم المياه وأن يقطعها عنهم لأن ذلك أبلغ في الظفر بهم ويوارى قتلاهم ولا يلزمه تكفينهم ولا يحرقهم بالنار أحياء ولا أمواتا لنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك إلا إن فعلوا ذلك بنا ورأى فيه مصلحة للمسلمين كما فعل أبو بكر حين أحرق بعض أهل الردة (٢).

وإذا عقدت هذه الإمارة على غزاة واحدة لم يكن لأميرها أن يغزو غيرها وإذا عقدت عامة لزمه معاودة الغزو عاما بعد عام متى قدر عليه، ويلزم هذا الأمير أن ينظر في أحوال المجاهدين وأن يقيم الحدود عليهم ولا ينظر في أحكام غيرهم حال غزوه أو حال خروجه له فإن استقر في الثغر الذي تقلده جاز له أن ينظر في أحكام جميع أهله ورعيته.

وأمير الجيش إذا كان مولى من الإمام كان عزله من ولاية الإمام وإذا كان مولى من أمير المصر أو الأقليم على جيش ذلك الاقليم أو المصر كان عزله إلى الإمام وإلى من ولاه.

[الإمارة على حروب المصالح]

وهى إمارة تقوم على دفع الفتن واتقائها وقطع الفساد في الأرض وهى تختص بقتال أهل الردة وأهل البغى والمحاربين ويصح أن يعهد بها إلى أمير الجيش فيتولاها مع ولاية الجهاد. فإذا ارتد فريق من المسلمين عن الإسلام إلى أي دين انتقلوا إليه سواء أكان دينا يصح أن يقر أهله كاليهودية والنصرانية أو لا يصح كالزندقة والوثنية ولم يجز أن يقر على ردته لما في إقراره عليه من الفتنة والفساد ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "من بدل دينه فاقتلوه". فإذا كان المرتدون قلة تقيم في دار الإسلام ولم يتمتعوا بدار يتميزون بها عن المسلمين فلا حاجة إلى قتالهم لدخولهم تحت القدرة عليهم فيكشف عن شبهاتهم وتقام لهم الحجج على بطلانها حتى يتبين لهم الحق فإن تابوا قبلت توبتهم وعادوا إلى حكم الإسلام كما كانوا، وإن لم يتوبوا وجب قتلهم رجالا كانوا أو نساء. وقال أبو حنيفة لا تقتل المرأة. أما إذا انحازوا إلى دار ينفردون بها عن المسلمين حتى يصيروا فيها ممتنعين فعندئذ يجب قتالهم على الردة بعد مناظرتهم على الإسلام وإيضاح دلائله ويجرى على قتالهم بعد الإنذار والإعذار ما يجرى على قتال أهل الحرب مما سبق بيانه. غير أن من أمر منهم قتل إن لم يثب. (أرجع فيما تقدم إلى مصطلح ردة).

أما إذا بغت طائفة من المسلمين فخالفوا رأى الجماعة وانفردوا بمذهب ابتدعوه فإن لم يخرجوا به عن المظاهرة بطاعة الإمام ولم يتميزوا بدار اعتزلوا فيها وكانوا أفرادا متفرقين تنالهم القدرة تركوا ولم يحاربوا وأجريت عليهم أحكام العدل فيما يجب لهم وعليهم من الحقوق والحدود فإن تظاهروا باعتقادهم مع اختلاطهم بأهل العدل أوضح لهم الإِمام فساد ما اعتقدوه وضلال ما ابتدعوه وجاز للإمام أن يعزر من تظاهر بالفساد أو بأمر زجرا ولا يتجاوزه إلى قتل ولا حد وإن اعتزلت هذه الطائفة الباغية أهل العدل وامتنعت بداد فإن لم تمتنع عن حق ولم تخرج عن طاعة لم يحاربوا وقد عزلت طائفة


(١) الأحكام السلطانية لأبى يعلى ص ٣٤.
(٢) المرجع السابق.