للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[انقطاع النسب]

[مذهب الحنفية]

جاء في (بدائع الصنائع): من أحكام اللعان وجوب قطع النسب في أحد نوعى القذف، وهو القذف بالولد، لما روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما لاعن بين هلال بن أمية وبين زوجته وفرق بينهما نفى الولد عنه وألحقه بالمراة (١)، فصار النفى أحد حكمى اللعان، ولأن القذف إذا كان بالولد ففرض الزوج أن ينفى ولدًا ليس منه في زعمه فوجب النفى تحقيقًا لغرضه. وإذا كان وجوب نفيه أحد حكمى اللعان فلا يجب قبل وجوده.

وعلى هذا قلنا: إن القذف إذا لم ينعقد موجبًا للعان أو سقط بعد الوجوب ووجب الحد أو لم يجب أو لم يسقط لكنهما لم يتلاعنا بعد لا ينقطع نسب الولد، وكذا إذا نفى نسب ولد حرة فصدقته لا ينقطع نسبه لتعذر اللعان لما فيه من التناقض حيث تشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وقد قالت: إنه صادق، وإذا تعذر اللعان تعذر قطع النسب؛ لأنه حكمه ويكون ابنهما لا يصدقان على نفيه؛ لأن النسب قد ثبت، والنسب الثابت بالنكاح لا ينقطع إلا باللعان ولم يوجد، ولا يعتبر تصادقهما على النفى؛ لأن النسب يثبت حقًّا للولد وفى تصادقهما على النفى إبطال حق الولد، وهذا لا يجوز.

وعلى هذا يخرج ما إذا كان علوق الولد في حال لا لعان بينهما فيها ثم صارت بحيث يقطع بينهما اللعان. وذلك نحو ما إذا علقت وهى كتابية أو أمة ثم أعتقت الأمة أو أسلمت الكتابية فولدت فنفاه فإنه لا ينقطع نسبه؛ لأنه لا تلاعن بينهما لعدم أهلية اللعان وقت العلوق، وقطع النسب حكم اللعان.

ثم لوجود قطع النسب شرائط: منها التفريق؛ لأن النكاح قبل التفريق قائم فلا يجب النفى.

ومنها أن يكون القذف بالنفى بحضرة الولادة أو بعدها بيوم أو بيومين أو نحو ذلك من مدة توجد فيها التهنئة أو ابتياع آلات الولادة عادة، فإن نفاه بعد ذلك لا ينتفى، ولم يوقت أبو حنيفة لذلك وقتًا، وروى عن أبى حنيفة أنه وفَّت له سبعة أيام، وأبو يوسف ومحمد وقتاه بأكثر مدة النفاس وهو أربعون يومًا.

وعلى هذا قالوا في الغائب عن امرأته: إذا ولدت ولم يعلم بالولادة حتى قدم أو بلغه الخبر وهو غائب أن له أن ينفى عند أبى حنيفة في مقدار تهنئة الولد وابتياع آلات الولادة، وعند أبى يوسف ومحمد في مقدار مدة النفاس بعد القدوم أو بلوغ الخبر؛ لأن النسب لا يلزم إلا بعد العلم به فصار حال القدوم وبلوغ الخبر كحال الولادة على المذهبين جميعًا، وروى عن أبى يوسف أنه قال: إن قدم قبل الفصال فله أن ينفيه في مقدار مدة النفاس، وإن قدم بعد الفصال فليس له أن ينفيه، ولم يرد هذا التفصيل عن محمد. كذا ذكره القدورى.

وذكر القاضي في (شرحه مختصر الطحاوى) أنه إن بلغه الخبر في مدة النفاس فله أن ينفى إلى تمام مدة النفاس، وإن بلغه الخبر بعد أربعين


(١) صحيح البخاري في عدة مواضع منها: كتاب الشهادات، باب إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة .. إلخ. وكتاب التفسير، باب {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ … }. وكتاب الطلاق، باب يبدأ الرجل بالتلاعن. وهو في صحيح مسلم، في كتاب اللعان.