للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

العلم واختاره مع الاستعلاء. غير أن المصنف قال: إنه لا أمر عند المعتزلة إلا الصيغة لإنكارهم الكلام النفسى وإن نفى الأشعرى العلو يرجح بكون العقلاء يلزمون الأدنى بأمر الأعلى. ونفيه الاستعلاء يترجح بقوله تعالى حكاية عن فرعون {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} (١) خطابًا لقومه فإنه أطلق الأمر على قولهم المقتضى له فعل غير كف ولم يكن لهم استعلاء عليه وكيف وهم كانوا يعبدونه والعبادة أقصى غاية الخضوع ثم قال: (٢)

إن القاضي أبا بكر وإمام الحرمين والغزالى قد عرفوا الأمر بأنه "القول المقتضى بنفسه طاعة المأمور بفعل المأمور به" قالوا فالقول احتراز عما عدا الكلام و"المقتضى" احتراز عما عدا الأمر من أقسام الكلام وأن قولهم "بنفسه" لقطع وهم من يحمل الأمر على العبارة فإنها لا تقتضى بنفسها.

وقال: إن هذا الحد يستلزم الدور من ثلاثة أوجه: هي ذكر الطاعة والمأمور والمأمور به في التعريف لأن الطاعة موافقة الأمر والمأمور مشتق من الأمر فيتوقف معرفة كل منهما على معرفة الأمر لأن المضاف من حيث هو مضاف لا يعلم إلا بمعرفة المضاف إليه. ومعنى المشتق منه موجود في المشتق وزيادة والفرض أن الأمر يتوقف معرفته على هذه الثلاثة.

ودفع هذا الاعتراض نقلا عن القاضي عضد الدين بأنا إذا علمنا الأمر من حيث هو كلام علمنا المخاطب به وهو المأمور وما يتضمنه وهو المأمور وفعله وهو الطاعة من غير توقف على معرفة حقيقة الأمر المطلوب بالتعريف.

ثم نقض الدفع بما لا تدعو الحاجة إلى إيراده وأورد تعريفين آخرين أحدهما أن الأمر هو الخبر عن استحقاق الثواب واعترض عليه والثانى تعريف المعتزلة أي جمهورهم وهو قول القائل لمن دونه افعل وناقشه بمثل ما سبق. (٣)

[رابعا: الزيدية]

قال الشوكانى: (٤) المختار أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص فقط.

وبعد أن نقل مذاهب الأصوليين في هذا ومناقشاتهم أورد التعريفات التي سبق إيرادها وما اعترض به على كل تعريف منها وقال. (٥)

إذا تقرر ما ذكرنا وعرف ما فيه فاعلم أن الأولى بالأصولى تعريف الأمر الصيغى لأن بحث هنذا العلم عن الأدلة السمعية وهى الألفاظ الموصلة من حيث المعلوم بأحوالها من عموم وخصوص وغيرهما إلى قدرة إثبات الأحكام.

والأمر الصيغى في اصطلاح أهل العربية صيغته المعلومة سواء كانت على سبيل الاستعلاء أو لا، وعند أهل اللغة هي صيغته المعلومة المستعملة في الطلب الجازم مع الاستعلاء.

هذا باعتبار لفظ الأمر الذي هو "أ. م. ر" بخلاف فعل الأمر نحو "اضرب" فإنه لا يشترط فيه ما ذكر بل يصدق مع العلو وعدمه. وعلى هذا أكثر أهل الأصول.


(١) آية ١١٠ سورة الأعراف.
(٢) المصدر السابق جـ ص ٣٠١.
(٣) المصدر السابق جـ ١ ص ٣٠٢.
(٤) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للشوكانى الطبعة الأولى سنة ١٣٥٦ هـ مطبعة الحلبى ص ٩١.
(٥) المصدر السابق ص ٩٣.