للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأما وجوبه فورا فيحتاج إلى دليل. نعم يتم ذلك على القول بوجوب الاحتياط مع احتمال وجوب الفور أما اشتراطه في الصحة أو في مجرد حصول الإثم فهو ممنوع وكيف كان فهذا الدليل مع تمامه لا يدل على كون الصيغة للفور بل يدل على وجوب العمل بالفور من الخارج.

وفى رده على استدلالهم بالاستقراء وأن مقتضى النسب الخبرية والإنشائية قَصد الحال فكذا الأمر إلحاقا له بالأعم الأغلب. قال: (١)

التحقيق أن مطلوب المستدل إن كان حصل له من الاستقراء أن النسب الخيرية والإنشائية الصادرة عن المتكلم حاصلة في الحال الحاضر فهو لا يجريه لأنه لا إشكال في أن النسبة الإنشائية في الأمر وهى الطلب القائم بنفس المتكلم حاصلة في الحال فلا يمكن النزاع فيه.

وإن كان أن مفاد تلك الجمل ومدلولاتها حاصلة في الحال كقيام زيد وطلاق هند فهو مع أنه متقوض بمثل كان زيد قائما وعمرو سوف يجئ وموقوف على كون المشتق حقيقة في الحال المقابل للاستقبال لا حال التلبس كائنا ما كان. والتحقيق خلافه. لا يمكن الوقوف على مثل هذا الاستقراء في إثبات اللغة.

وأشار إلى أن هناك طريقا آخر يمكن إثبات الفور به وهو أن النحاة ذكروا أن الأمر للحال وغرضهم من اقتران معنى الفعل بأحد الأزمنة هو المعنى الحدثى؛ وإن شئت قلت انتسابه إلى الفاعل مقترن بأحد الأزمنة وأما نسبة المتكلم فكلها واقعة للحال لغة فيثبت الفور. ولكنه مرفوع بأن كلام النحاة مع أنه لم يثبت اتفاقهم على ذلك يضعفه خلاف علماء الأصول والبيان فالظاهر أن نظرهم إلى الأغلب مع إمكان حصول الطبيعة في الحال.

والحاصل أن الأمر مأخوذ من المضارع ولا فرق بينهما في الاشتراك بين الحال والاستقبال.

وأطال بعد ذلك في مناقشة الاستدلال بالآيات المتقدمة واختتم البحث بما نقله عن اختلاف القائلين بأن الأمر للفور في ثبوت التكليف على من ترك الامتثال فورا في الزمان المتأخر وعدمه وأنهم فرعوا على ذلك أن معنى افعل هو افعل في الزمان الثاني وإن لم تفعل ففى الثالث وهكذا أو معناه افعل في الزمان الثاني مع السكوت عما بعده. وأما كون عدم الفعل في الزمان المتأخر فلم تقف على مصرح به.

[الأمر بالشئ نهى عن ضده والخلاف في ذلك]

ذهب الجمهور من أهل الأصول ومن الحنفية والشافعية والمحدثين إلى أن الشئ المعين إذا أمر به كان ذلك الأمر نهيا عن الشئ والمعين المضاد له؛ سواء كان الضد واحدا كما إذا أمره بالإيمان فإنه يكون نهيا عن الكفر وإذا أمره بالحركة فإنه يكون نهيا عن السكون. أو كان الضد متعددا كما إذا أمره بالقيام فإنه يكون نهيا عن العقود والاضطجاع والسجود وغير ذلك (٢).

وفى المسألة مذاهب مختلفة تتضح مما يلى


(١) المصدر السابق من ٩٧.
(٢) إرشاد الفحول للشوكاني ص ١٠١.