للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الطلب باتا لا خيرة فيه لمن الزم به ولا مسوغ له فى تركه وذلك ما يستوجب أن الالزام لا يكون الا باتا وهذا مقتضى العقود اللازمة التى لا تقبل الفسخ من عاقدها ويكون مطالبا بموجبها على سبيل الوجوب والحتم. ولكن عبارات بعض الفقهاء حين استعمالهم هذه المادة لا تؤيد ذلك اذ أنهم قد عبروا بالالتزام فيما يترتب على العقود غير اللازمة التى يجوز لعاقدها أن يفسخها كما فى عقد الوديعة وقد ذكرنا بعض هذه العبارات فيما سبق، فقد قالوا: ان الوديع ملزم أو ملتزم بالحفظ‍، ورتبوا على ذلك تضمينه المودع اذا دل السارق عليه فسرقه، لأن فى ذلك نقضا لالتزامه الحفظ‍.

وكذلك جاء فى جامع الفصولين (١).

أن من الالتزام ما هو متبرع به ولا ضمان فيه ورتبوا على ذلك أن الراعى اذا اشترط‍ عليه ذبح الشاة عند الخوف على هلاكها فهلكت شاة ولم يذبحها لم يضمن لأن هذا التزام متبرع به فلا يترتب عليه الضمان بتركه لأن عقد الوديعة لا يتناوله. وهذا ما قد يفيد أن الالتزام فى العقود غير اللازمة التزام يجب الوفاء به ما دامت قائمة لم تفسخ وعلى ذلك فلا يؤدى عدم لزومها الى منافاة فيها دين ضمنه الالتزام فيها حين قيامها. وهى حتمية تنتهى بفسخها والى الايجاب الدينى والخلقى أقرب وهذا ما يتسق مع ما جاء فى جامع الفصولين وبخلاف ما يدل عليه تعبير كثير من الفقهاء حين يقولون: التزام التبرعات كالتزام انسان الانفاق على أجنبى والتزامه بأن يعطى فلانا مبلغا من المال عطية فهذه التزامات غير ملزمة عند الجمهور والوفاء بها غير واجب قضاء خلافا لما ذهب اليه بعض المالكية من عدم جواز فسخه والعدول عنه مع الالزام به قضاء وعلى ذلك يتبين أن الالتزام فى الفقه الاسلامى نوعان:

التزام بات والتزام غير بات كالتزام المتبرع مثبتين أيضا ان الفقهاء قد عبروا بلفظ‍ التزام فى أحوال أخرى لا يكون فيها الالتزام باتا مثل الكفالة بالدين الموعود به وذلك لجواز الرجوع فيها قبل ثبوت الدين عند الحنفية والحنابلة (٢) والكفالة بالجعل فى الجعالة فان الالتزام فيها غير (٣) بات وقد جاء فى الشرح الكبير للدردير:

الالتزام فى الجعالة غير بات. ولا شك أن اطلاق اسم الالتزام على هذا النوع الأخير من باب التوسع فى دلالات الألفاظ‍ واستعمالها.

وجملة القول أن الالزام ضرب من التكليف اذ من التكليف يكون بمالا يعد الزاما كما فى التخيير وأن أركانه هى أركان التكليف مع اختلاف فى الأسماء بسبب اختلاف مادة التكليف مع مادة الالزام وأن أثره هو الالتزام أى الوجوب المحتم سلبا أو ايجابا غير أنه قد يكون وجوبا قضاء وقد يكون وجوبا ديانة والأول يلزم به القضاء والثانى لا يلزم به القضاء وذلك ما يدل عليه استعمال الفقهاء شروط‍ الملزم وفيما يأتى بيان لهما.

[شروط‍ الالتزام]

لما كان الالتزام أثرا للالزام الذى هو


(١) جامع الفصولين ج‍ ٢ ص ١٢٥ طبعة بولاق.
(٢) كشاف القناع ج‍ ٢ ص ١٧٦
(٣) مغنى والشرح الكبير عليه ج‍ ٧ ص ٧٤