للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال البخارى تعليقًا على ذلك ونقلًا عن أبى اليسر: إنه إذا أريد بالأمر الندب فهو مجاز عند أبى حنيفة وأصحابه وعامة الفقهاء. وذهب بعض أصحاب الشافعي وجمهور أصحاب الحديث إلى أنه حقيقة فيه وإليه مال فخر الإسلام.

ويوضح صدر الشريعة وجهة فخر الإسلام في اختباره كون استعمال الأمر في كل من الندب والإباحة حقيقة بقوله: (١)

إن تأويله أن المجاز في اصطلاحه لفظ أريد به معنى خارج عن الموضوع فإذا أريد به جزء الموضوع له فلا يكون مجازًا.

يدل على ذلك قوله في هذا الموضوع: إن معنى الإباحة أو الندب من الوجوب بعضه في التقدير أما في اصطلاح غيره من العلماء فالمجاز لفظ أريد به غير ما وضع له سواء كان جزءه أو معنى خارجًا عنه. ثم قال:

وحاصل الخلاف في هذه المسألة أن إطلاق الأمر على الإباحة أو الندب أهو بطريق إطلاق اسم الكل على الجزء أم بطريق الاستعارة؟

ومعنى الاستعارة أن تكون علاقة المجاز وصفًا بينًا مشتركًا بين المعنى الحقيقى والمجازى كالشجاعة بين الإنسان الشجاع والأسد.

وقد نقل السعد تأويلًا لكلام فخر الإسلام بأن الأمر حقيقة للوجوب خاصة عند الإطلاق وللندب أو الإباحة عند انضمام القرينة ثم قال (٢).

لما كان فساد هذا التأويل ظاهرًا لتأديه إلى إبطال المجاز بالكلية بأن يكون مع القرينة حقيقة في المعنى المجازى ولأنه يجب في الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له أي دل عليه بلا قرينة ذكروا له تأويلًا آخر وهو أن اللفظ المستعمل في جزء ما وضع له ليس بمجاز بناء على أنه يجب في المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له. واستطرد في هذا ثم قال: (٣)

فيؤول الخلاف إلى أن استعمال صيغة الأمر في الندب أو الإباحة من قبيل الاستعارة ليكون مجازًا أو من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء ليكون حقيقة قاصرة. وأوضحه بمثل ما سبق ثم علق على الموضوع بقوله: والمناقشة في أمثال ذلك مما لا يليق بهذه الصناعة.

[٤ - القائلون بالوقف]

أجمل الشوكانى مذاهب القائلين بالوقف فقال: (٤)

وقال الأشعرى والقاضى الباقلانى بالوقف فقيل إنهما توقفا في أنه موضوع للوجوب والندب وقيل توقفا بأن قالا: لا ندرى بما هو حقيقة فيه أصلًا. وحكى السعد في التلويح عن الغزالى وجماعة من المحققين أنهم ذهبوا إلى الوقف في تعيين المعنى الموضوع له حقيقة. وحكى أيضًا عن ابن سريج الوقف في تعيين المعنى المراد عند الاستعمال لا في تعيين الموضوع له عنده لأنه موضوع عنده بالاشتراك للوجوب والندب والإباحة والتهديد.


(١) التوضيح جـ ٢ ص ٦٣.
(٢) التلويح على التوضيح جـ ٢ ص ٦٤.
(٣) المصدر السابق ص ٦٥.
(٤) إرشاد الفحول ص ٩٤.