للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قوله: ان أكلت فعبدى حر أو ان شربت ونوى خصوص الطعام أو الشراب أى نوى طعاما دون طعام أو شرابا دون شراب لم يصدق أصلا عندنا لاقضاء ولا ديانة لأن الأكل اسم للفعل والمأكول محل الفعل واسم الفعل لا يكون اسما للمحل ولا دليلا عليه لغة الا أن الفعل لا يكون بدون المحل فيثبت المحل مقتضى فكان ثابتا فى حق ما يلفظ‍ به من الأكل دون صحة النية اذ هو فيما وراء الملفوظ‍ غير ثابت فكانت النية واقعة فى غير الملفوظ‍ فتلغو. وكذلك فى مسألة الخروج بان قال: ان خرجت فعبدى حر اذا نوى مكانا دون مكان بان نوى الخروج الى بغداد مثلا لم يصدق قضاء ولا ديانة لأن قوله ان خرجت وان دل على المصدر لغة لا يتناول مكانا من حيث اللغة وانما يثبت ذلك مقتضى لأن للخروج مكانا لا محالة فلا يصح تخصيصه بالنية وكذلك لو قال ان اغتسلت فعبدى حر اذا نوى تخصيص الاسباب بان قال عنيت الاغتسال عن الجنابة لم يصدق قضاء ولا ديانة: وعن ابى يوسف رحمه الله تعالى (١) انه يصدق ديانة لأنه نوى التخصيص فى المصدر. ويدل لأبى حنيفة ومحمد انه ذكر الفعل ولم يذكر السبب وانما ثبت السبب مقتضى لأن الاغتسال يقتضى سببا ولا عموم له فبطلت النية ولو قال ان اغتسل الليلة فى هذه الدار فعبدى حر فلم يسم الفاعل ونوى تخصيص الفاعل لم يصدق عند الحنفية بخلاف قوله ان اغتسل احد فانه اذا نوى فيه تحصيص الفاعل يصدق ديانة لا قضاء لأن الفاعل مذكور وهو نكرة وقعت فى موضع النفى فعمت فقبلت التخصيص وكذا اذا قال ان اغتسلت غسلا ونوى غسل الجنابة يصدق ديانة لأن الغسل اسم للفعل وضع له من قبل اسبابه وليس بمصدر وقد وقع فى موضع النفى منكرا فصح القول بالتخصيص لكنه خلاف الظاهر اذ الظاهر للعموم فلا يصدق قضاء، وفى هذه المسائل كلها خلاف الشافعى لأن للمقتضى عموما عنده فيقبل التخصيص.

[الفرق بين المحذوف والمقتضى]

قال صاحب كشف الأسرار (٢): - أعلم أن عامة الأصوليين من متقدمى الحنفية واصحاب الشافعى وغيرهم جعلوا المحذوف من باب المقتضى ولم يفصلوا بينهما فقالوا: المقتضى هو جعل غير المنطوق منطوقا لتصحيح المنطوق وهو يشمل الجميع، وانما اختلفوا فى عمومه فذهبت الحنفية الى انتفاء العموم عنه، وذهب الشافعى وعامة اصحابه. الى القول بالعموم، والامام ابو زيد رحمه الله تعالى تابع المتقدمين وجعل الكل قسما واحدا فقال: المقتضى زيادة على النص لم يتحقق معنى النص بدونها فاقتضاها النص ليتحقق معناه ولا يلغو. ففى تعريفه هذا دخل المحذوف ايضا. ثم قال ومثاله قول الله تبارك وتعالى: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» (٣) اى اهلها اقتضاء لأن السؤال للتبيين فاقتضى موجب هذا الكلام أن يكون المسئول من أهل البيان ليفيد فثبت الأهل


(١) كشف الاسرار ج ١ ص ٥٦٢ الطبعة السابقة.
(٢) المرجع السابق ج ١ ص ٥٦٣، ٥٦٤ الطبعة السابقة.
(٣) الاية رقم ٨٢ من سورة يوسف.