للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وإن كان في الأمة فلا بد في عقده من ولاية صحيحة بدليل أن المرأة لا يجوز أن تُزوّج أمتها، وكذلك الفاسق والمرتد لا ولاية له؛ فإنه أدنى حالا من الفاسق الكافر؛ وإن وجد من المرتد سبب يقتضى الملك كالصيد والاحتشاش والاتهاب (١) والشراء وإيجار نفسه إجارة خاصة أو مشتركة ثبت الملك له؛ لأنه أهل للملك وكذلك تثبت أملاكه؛ ومن قال: إن ملكه يزول لم يثبت له ملكًا؛ لأنه ليس بأهل للملك. فإن راجع الإسلام احتمل أن لا يثبت له شئ أيضًا؛ لأن السبب لا يثبت حكمه، واحتمل أن يثبت الملك له حينئذ؛ لأن السبب موجود، وإنما امتنع ثبوت حكمه؛ لعدم أهليته فإذا وُجدت تحقق الشرط، فيثبت الملك حينئذ؛ كما تعود إليه أملاكه التي زالت عنه عند عدم أهليته؛ فعلى هذا إن مات أو قتل ثبت الملك لمن ينتقل إليه ملكه؛ لأن هذا في معناه.

[مذهب الظاهرية]

إذا أسلم الكافر الحربي، أيا كانت داره: كان كل ماله لا حق لأحد فيه، ولا يملكه المسلمون إن غنموه أو فتحوا تلك الأرض، وإن مات ورثه ورثته؛ وأولاده الصغار مسلمون وكذا الجنين؛ وأما امرأته وأولاده الكبار ففئ إن سبوا، وهو باق على نكاحه معها، وهى رقيق لمن وقعت له في سهمه. دليل ذلك، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام (٢).

وأيما امرأة أسلمت ولها زوج كافر ذمى أو حربى؛ فحين إسلامها انفسخ نكاحها منه ولو أسلم بعدها بطرفة عين. ولو أسلما معًا بقيا على نكاحهما؛ وإذا كانت كتابية بقيا على نكاحهما، أسلمت أو لم تسلم؛ وإن كانت غير كتابية فساعة إسلامه قد انفسخ نكاحها منه؛ ولو أسلمت بعده بطرفة عين (٣).

ومن سبى من صغار أهل الحرب فهو مسلم؛ سواء سبى مع أبويه أو مع أحدهما أو دونهما؛ لأن سيده صار أملك له من أبويه، فبطل إخراجهما له عن الإسلام (٤).

ومن لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد، له أحكام المرتد كلها. أما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه ولم يحارب المسلمين ولا أعان عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجبره، فهذا لا شئ؛ لأنه مضطر مكره (٥).

وإذا مات المرتد لم يرث ولا يُورّث؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكفار المسلم" (٦) والمرتد قد بين الله تعالى أنه من جملة الكفار {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (٧) وكل وصية أوصى بها قبل ردته أو في حين ردّته بما يوافق البرّ ودين الإسلام نافذة في ماله الذي لم يقدر عليه حتى قتل؛ لأنه ماله. وأما إذا قدرنا على المال قبل موته فهو للمسلمين كله؛ ولا تنفذ فيه وصيته؛ لأنه لا يملكه (٨).


(١) الاتهاب: قبول الهبة. لسان العرب. مادة (وهب).
(٢) صحيح البخارى في عدة مواضع منها، كتاب العلم في بابين:
باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُبَّ مبلغ أوعى من سامع": وباب ليبلغ العلم الشاهد الغائب. وفى كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى. وهو في صحيح مسلم؛ كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وكتاب القسامة والمحاربين .. إلخ، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال.
(٣) المحلى: ٧/ ٣٠٩ - ٣١٢.
(٤) السابق: ٧/ ٣٢٤.
(٥) المحلى: ٧/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) سورة المائدة من الآية: ٥١.
(٨) المحلى: ٧/ ١٩٨.