للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

صاحبها بدفعها إليه قول الذي أودعت عنده مع يمينه، سواء دفعت إليه ببينةٍ أو بغير بينة لأنه؛ ماله محرم فهو مدعى عليه وجوب غرامة، وقد حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن اليمين على من ادعى عليه، ولا فرق بين دعوى جحد الدين وبين دعوى جحد الوديعة أو تضييعها. والمقرض مؤتمن على ما أقرض وعلى ما عومل فيه، كما أن المودع مؤتمن ولا فرق، وفرَّق قوم بين قول المودع: هلكت الوديعة فصدقوه إما ببينة وإما بغير بينة. وبين قوله: قد صرفتها إليك فألزموه الضمان. وكذلك في قوله: أمرتنى بدفعها إلى فلان فضمنوه وهذا خطأ؛ لأنه لم يأت بالفرق بين ذلك قرآن ولا سنة، والوجه في هذا هو أن كل ما قاله المودع مما يسقط به عن نفسه الفراصة ولا تخرج عين الوديعة عن ملك المودع فالقول قوله مع يمينه؛ لأن ماله محرم إلا بقرآن أو سنة، سواء كانت الوديعة معروفة للمودع ببينة أو بعلم الحاكم أو لم تكن، ولا فرق بين شئ مما فرقوا بينه بآرائهم الفاسدة. وأما إذا ادعى المودع شيئًا ينقل به الوديعة عن ملك المودع إلى ملك غيره فإنه ينظر فإن كانت الوديعة لا تعرف للمودع إلا بقول المودع فالقول أيضًا قول المودع مع يمينه في كل ما ذكر له من أمره إياه ببيعها أو الصدقة بها أو بهبتها، أو إنه وهبها له وسائر الوجوه ولا فرق؛ لأنه لم يقر لي بشئ في ماله ولا بشئ في ذمته لا بدين ولا بتعد ولا قامت له عليه بينة بحق ولا بتعد وماله محرم على غيره، وأما إن كانت الوديعة معروفة العين للمودع بينة أو بعلم الحاكم فإن المودع مدع نقل ملك المودع عنها فلا يصدق إلا ببينة وقد أقر حينئذ في مال غيره بما قد منع الله تعالى منه إذ يقول: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها. . .} الآية (١) فهو ضامن (٢).

[مذهب الزيدية]

جاء في (التاج المذهب): إذا قال الوديع: ما عندى لك وديعة فأقام المالك البينة بإثباتها فادعى الوديع أنه قد ردها أو تلفت. فإنه لا يقبل قوله في ذلك بعد جحوده إياها، وأما البينة فتقبل، بخلاف ما لو قال الوديع: ما أودعتنى شيئًا؛ فلا تقبل له بينة؛ لأن إنكاره لأصلها يكذب بينة الرد، ويكون القول للمالك في ذلك (٣).

[مذهب الإمامية]

جاء فى (الروضة البهية): أنه لو أنكر الوديعة حلف لأصالة البراءة، ولو أقام المالك بها بينة قبل حلفه ضمن؛ لأنه متعد بجحوده لها إلا أن يكون جوابه: لا يستحق عندى شيئًا، وشبهه كقوله: ليس لك عندى وديعة يلزمنى ردها ولا عوضها، فلا يضمن بالإنكار بل يكون كمدعى التلف يقبل قوله بيمينه أيضًا لإمكان تلفها بغير تفريط فلا تكون مستحقة عنده. ولا يناقض قوله البينة، ولو أظهر لإنكاره الأول تأويلًا كقوله: أليس عندى وديعة يلزمنى ردها أو ضمانها ونحو ذلك فالأقوى القبول أيضًا (٤).

وجاء في (شرائع الإسلام): أنه لو أنكر الوديعة أو اعترف أو ادعى التلف أو ادعى الرد ولا بينة فالقول قوله. وللمالك إحلافه على


(١) سورة الأنعام، من الآية: ١٦٤.
(٢) المحلى: ٨/ ٢٧٧.
(٣) التاج المذهب: ٣/ ٣٤٢.
(٤) الروضة البهية: ١/ ٣٨٨.