للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد سمعت الله سبحانه يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} (١) وهذا الاستفهام ليس على حقيقته لأنه عليه الصلاة والسلام علم أنه في الصلاة فتعين أن يكون للتوبيخ والذم فدل على أن الأمر يفيد الوجوب (٢).

وقد ذكر البيضاوى الإسنوى عددًا من الاعتراضات على هذه الأدلة وتولى الرد عليها بما لا تدعو الحاجة إلى ذكره.

[٢ - البزدوي]

وأما الإمام البزدوى الحنفى فإنه يستدل على إفادة الأمر الوجوب بقوله (٣).

إذا ثبت أن الأمر موضوع لمعناء المخصوص به كان الكمال أصلًا فيه فثبت أعلاه على احتمال الأدنى إذ لا قصور في الصيغة ولا في ولاية المتكلم.

وقد أوضح عبد العزيز البخارى ذلك فقال:

إذا ثبت أن الأمر موضوع لمعناه المخصوص وهو طلب الفعل كان الكمال أصلا في ذلك المعنى لأن الناقص ثابت في وجه دون وجه وكماله بالوجوب لا بالندب لأن استحقاق العقاب لما ترتب على ترك المأمور به كترتب الثواب على فعله دل على أن إتيان الفعل مطلوب من كل وجه فيثبت به كمال الطلب من جانبه. وكذا المطلوب وهو إتيان الفعل يحصل به من جنب المأمور غالبًا. فأما الندب ففيه نقصان في جانب الطلب لعدم ترتب العقاب على تركه وكذا لا يؤدى إلى وجود المطلوب غالبًا وإذا كان كمال الطلب في الوجوب وجب القول به إذ لا قصور في دلالة الصيغة على الطلب لأنها موضوعة لذلك. ولا في ولاية الأمر لأنه مفترض الطاعة يملك الإلزام.

وأيد ذلك بما نقله عن أبى اليسر من أن الأمر لفظ فكان المراد به خاصًّا كاملًا لأن الأصل في الأشياء الكمال والنقصان عارض والكمال إنما يكون بالوجوب لأن الوجوب يحمله على الوجود فكان الوجود بواسطة الوجوب مضافًا إلى الأمر السابق فمن جعل الأمر للإباحة أو الندب جعل النقصان أصلًا والكمال نعارض. وهذا قلب القضية.

ثم قال البزدوى: والحجة لعامة العلماء القائلين بالوجوب من الكتاب والإجماع والدليل المعقول.

أما الكتاب فقوله سبحانه: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (٤) ثم قال: إن هذا مبنى على أنه أريد به ذكر الأمر بكلمة "كن" والتكلم بها على سبيل الحقيقة وقد أجرى سنته في الإيجاد بعبارة الأمر ولو لم يكن الوجود مقصودًا بالأمر لما استقام قرينة للإيجاد بعبارة الأمر (١٢).

وأيد البخارى ذلك بقوله: إن الفاء في قوله سبحانه "فيكون" لبيان أنه نتيجة للأول ثابت به كما يقال: أطعمه فأشبعه وسقاه فأرواه فلو لم يكن الوجود مستفادًا بالأمر في قوله "كن" لكان قوله "كن فيكون" بمنزلة قولك: سقيته فأشبعته وأطعمته فأرويته أي أنه لا يكون هناك ارتباط


(١) آية ٢٣ سورة الجن.
(٢) آية ٢٤ سورة الأنفال.
(٣) المصدر السابق ص ٣٦٥.
(٤) آية ٢٥ سورة الروم.