للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الثاني: أنه يلزم من ذلك أن تكون صيغة افعل الواردة من النبي - صلى الله عليه وسلم - نحونا أمرًا حقيقة لتحقق ما ذكروه من شروط الأمر فيها، ويلزم من ذلك أن يكون هو الآمر لنا بها، ويخرج بذلك عن كونه رسولًا. لأنه لا معنى للرسول غيرُ المبلغ لكلام المرسل لا أن يكون هو الآمر والناهى كالسيد إذا أمر عبده وسواء كانت صيغته مخلوقة له أو لله تعالى.

الثالث: أنه قد يرد مثل هذه الصيغة من الأعلى للأدنى ولا يكون أمرًا بأن يكون ذلك على سبيل التضرع والخضوع. وقد يرد من الأدنى للأعلى ويكون أمرًا إذا كان على سبيل الاستعلاء لا على سبيل الخضوع والتذلل. لذلك يوصف قائلها بالحمق والجهل بأمره لمن هو أعلى منه رتبة. (١)

ونقل الآمدى تعريفين آخرين لبعض المعتزلة مؤداهما أن الأمر هو الصيغة وناقشهما وأبطل القول بهما ثم قال:

وما انحسمت عليهم طرق التعريف قال قائلون منهم: الأمر هو إرادة الفعل. وقد أبطله أهل السنة بما لا داعى للإطالة به وموضعه علم الكلام.

وانتقل الآمدى بعد ذلك إلى تعريفات أهل عن بعضهم تعريف الأمر بأنه عبارة عن الخبر على الثواب على الفعل تارة والعقاب على الترك تارة.

كما نقل تعريف الغزالى السابق ونسبه إلى الأكثرين كالقاضى أبى بكر وإمام الحرمين وغيرهم ثم أبطله لما فيه من تعريف الأمر بالمأمور والمأمور به وهما مشتقان من الأمر. والمشتق من الشئ أخفى من ذلك الشيء. وتعريف الشيء بما لا يعرف إلا بعد معرفة ذلك الشئ محال. (٢)

وعن جماعة آخرين أن الأمر هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعًا. وأبطله لما فيه من تعريف الأمر بالطاعة المتعلقة بالفعل والطاعة المتعلقة بالفعل لا تعرف إلا بموافقة الأمر. وهو دور ممتنع.

ثم قال: والأقرب في ذلك إنما هو القول الجارى على قاعدة الأصحاب أهل السنة. أن يقال: الأمر طلب الفعل على جهة الاستعلاء .. احترز بطلب الفعل عن النهى وغيره من أقسام الكلام وبقوله "على جهة الاستعلاء" عن الطلب بجهة الدعاء والالتماس.

[٣ - البيضاوى والإسنوى]

قال البيضاوى: (٣)

إن المراد هنا لفظ الأمر المكون من الحروف "أ. م. ر" لا مدلولها وهو "افعل" ولا نفس الطلب وعرفه بأنه "القول الطالب للفعل".

وشرح الإسنوى ذلك بأن لفظ الأمر يطلق إطلاقًا مجازيًا على الفعل والشأن وغيرهما


(١) المصدر السابق ص ٢٠٠.
(٢) المصدر السابق ص ٢٠٤.
(٣) شرح الإمام جمال الدين الإسنوى المسمى بنهاية السول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضى البيضاوى الطبعة الأولى المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق سنة ١٣١٦ جـ ١ ص ٢٤٧.