للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والمختار أن المرة الواحدة لابد منها في الامتثال وهو معلوم قطعًا والتكرار محتمل فإن اقترن به قرينة أشعرت بإرادة المتكلم التكرار حمل عليه وإلا كان الاقتصار على المرة الواحدة كافيًا (١).

والدليل على ذلك أنه إذا قال له "صل أو صم" فقد أمره بإيقاع فعل الصلاة والصوم وهو مصدر افعل والمصدر محتمل للاستغراق والعدد ولهذا يصح تفسيره به فإنه لو قال لزوجته أنت طالق ثلاثًا وقع به لما كان تفسيرًا للمصدر وهو الطلاق ولو اقتصر على قوله أنت طالق لم يقع سوى طلقة واحدة مع احتمال اللفظ للثلاث. فإذا قال "صل" فقد أمره بإيقاع المصدر وهو الصلاة والمصدر محتمل للعدد فإن اقترنت به قرينةٌ مشعرة بإرادة العدد حمل عليها وإلا فالمرة الواحدة تكون كافية. ولهذا فإنه لو أمر عبده أن يتصدق صدقة أو يشترى خبزًا أو لحمًا فإن يكتفى منه بصدقة واحدة وشراء واحد ولو زاد على ذلك فإنه يستحق اللوم والتوبيخ لعدم القرينة الصادقة إليه. وإن كان اللفظ محتملًا. وإنما كان كذلك لأن حال الأمر متردد بين إرادة العدد وعدم إرادته وإنما يجب العدد مع ظهور الإرادة ولا ظهور إذ الفرض فيما إذا عدمت القرائن المشعرة به فقد بطل القول بعدم إشعار اللفظ بالعدد مطلقًا وبطل القول بظهوره فيه وبالوقف أيضًا. والاعتراض هنا يختلف باختلاف مذاهب الخصوم.

ثم أورد شبه القائلين بالتكرار والقائلين بامتناع احتمال التكرار وشبه القائلين بالوقف ورد عليها بمثل ما نقلناه عن الغزالى في جملته وإن كان قد زاد عليه في عدد من الاعتراضات والردود بما لا يحتمل المقام إيراده (٢).

[٣ - مسلك البيضاوى والإسنوى]

إذا ورد الأمر مقيدًا بالمرة أو التكرار حمل عليه وإن ورد مقيدًا بصفة أو شرط فإنه يتكرر قياسًا لا لفظًا وإن كان مطلقًا عن القيود ففيه مذاهب (٣).

أحدها: أنه لا يدل على تكرار ولا على مرة بل يفيد طلب الماهية من غير إشعار بتكرار أو مرة إلا أنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به لا جرم أنه يدل عليها من هذا الوجه. وهذا المذهب اختاره الإمام الرازى وأتباعه ونقله عن الأقلين واختاره أيضًا الآمدى وابن الحاجب والبيضاوى.

الثاني: أنه يدل على التكرار المستوعب لزمان العمر وهو رأى الأستاذ - أبو إسحاق الإسفرابينى - وجماعة من الفقهاء والمتكلمين لكن بشرط الإمكان كما قاله الآمدى.

الثالث: أنه يدل على المرة وهو قول أكثر أصحابنا "الأشاعرة" ونقل عن أبى حامد أنه مقتضى قول الشافعي.

الرابع: أنه مشترك بين التكرار والمرة فيتوقف إعماله في أحدهما على وجود القرينة.


(١) الإحكام للآمدى جـ ٢ ص ٢٢٥.
(٢) المصدر السابق من ص ٢٢٦ - ٢٣٥.
(٣) شرح نهاية السول جـ ١ ص ٢٦٩.