للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الرابعة: الأمر بالشئ نهى عن جميع أضداده والنهى عن أضداد المأمور به مقتض للانتهاء عنها على الفور وذلك متوقف على فعل المأمور به على الفور، فكان الأمر مقتضيا له على الفور.

الخامسة: أنه تعالى عاتب إبليس ووبخه على مخالفة الأمر بالسجود لآدم في الحال بقوله {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} (١) ولو لم يكن الأمر بالسجود مقتضيا له في الحال لما حسن توبيخه عليه ولكان ذلك عذرا لإبليس في تأخيره.

وأجاب عن هذه الشبه عن الأولى بما يفيد أن مسألة فهم التعجيل من أمر السيد مستفاد من العرف إذا الظاهر أنه لا يطلب سقى الماء من غير حاجة إليه وعن الثانية أن تعيين أقرب الأماكن والأزمنة دعوى لا دليل؛ وعن الثالثة والرابعة أن تشبيه الأمر بالنهى قياس في اللغة وهو ممتنع؛ وعن الخامسة أن توبيخه لإبليس إنما كان لإبائه واستكباره ويدل عليه قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} (٢) ولتخيره على آدم بقوله: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (٣) ولا يمكن إضافة التوبيخ إلى مطلق الأمر من حيث هو أمر لأنه منقسم إلى أمر يجاب واستحباب ولا توبيخ عن مخالفة أمر الاستحباب إجماعا.

[٣ - البيضاوى والإسنوى]

يقول البيضاوى إن الأمر المطلق لا يفيد الفور خلافا للحنفية ولا التراخى خلافا لقوم وقيل مشترك (٤) وحكى الإسنوى في توضيح كلام البيضاوى أربعة مذاهب (٥).

أحدها: أنه لا يدل لا على الفور ولا على التراخى بل يدل على طلب الفعل. قال في البرهان: وهذا ما ينسب إلى الشافعي وأصحابه وقال في المحصول: إنه الحق واختاره الآمدى وابن الحاجب والمصنف.

الثاني: أنه يفيد الفور وجوبا وهو مذهب الحنفية.

الثالث: أنه يفيد التراخى جوازا ونقل عن الشيخ أبى إسحق أنه غلط وعن البرهان أنه لفظ مدخول فإن مقتضى إفادته التراخى أنه لو فرض الامتثال على الفور لم يعتد به وليس هذا معتقد أحد. نعم حكى ابن برهان عن غلاة الواقعية أنا لا نقطع بامتثاله بل يتوقف فيه إلى ظهور الدلائل لاحتمال إرادة التأخير.

قال: وذهب المعتقدون منهم إلى القطع بامتثاله وحكاه في البرهان أيضا.

الرابع: وهو مذهب الواقعية أنه مشترك بين الفور والتراخى ومنشأ الخلاف في هذه المسألة من كلامهم في الحج.

واستدل لما ذهبا إليه بما سبق أن أوضحه من أن الأمر المطلق لا يقتضى التكرار. وأشار إلى أمرين أحدهما أنه يصح تقييده بالفور وبالتراخى من غير تكرار ولا نقض.


(١) آية ١٢ سورة الأعراف.
(٢) آية ٣٤ سورة البقرة.
(٣) آية ٧٦ سورة ص.
(٤) نهاية السول على هامش التقرير والتحبير من ٢٧٤ حـ ١
(٥) المصدر السابق ص ٢٧٥.