للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[انقطاع حق البائع في استرداد المبيع إذا كان له حق استرداده]

[مذهب الحنفية]

جاء في (تبيين الحقائق): لكل من البائع والمشترى حق الرجوع في البيع الفاسد إلا أن يبيع المشترى أو يهب أو يحرر أو يبنى، أي إذا تصرف المشترى في المبيع هذه التصرفات فليس لواحد منهما أن يفسخ البيع؛ لأن المشترى ملك المبيع بالقبض فينفذ فيه تصرفاته كلها وينقطع به حق البائع في استرداد المبيع سواء كان تصرفًا يقبل الفسخ أو لا يقبله إلا الإجارة والنكاخ فإنهما لا يقطعان حق البائع في الاسترداد؛ لأن الإجارة عقد ضعيف يفسخ بالأعذار، وفساد الشراء عذر فيفسخ. والنكاح لا يمنع فسخ البيع فيفسخ ويرد على البائع والنكاح على حاله. وما عدا النكاح والإجارة من التصرفات يقطع حق البائع في استرداد المبيع؛ لأنه تعلق به حق العبد والفسخ حق الشرع؛ وما اجتمع حق الله وحق العبد إلا وقد غُلب حق العبد لحاجته وغناءِ الله، بخلاف حق الشفعة حيث ينتقض فيه تصرف المشترى؛ لأنه حق العبد فكان أولى بالشفعة. ولأنه بالعتق قد هلك فيجب قيمته؛ والبيع الثاني مشروع بأصله ووصفه. والأول مشروع بأصله دون وصفه فكان الثاني أولى بالاعتبار، وكذا الهبة مشروعة بأصلها ووصفها فكانت أولى؛ ولأن تصرف المشترى قد حصل بتسليط البائع فلا ينتقض؛ بخلاف الشفيع حيث ينقض تصرف المشترى لعدم التسليط منه.

والكتابة والرهن نظير البيع؛ لأنهما لازمان. إلا أنه إذا عجز المكاتب أو فك الرهن يعود حق الاسترداد لزوال المائع؛ وكذا لو رجع في الهبة عاد حق الاسترداد؛ سواء كان بقضاء أو بغير قضاء؛ لأنه يعود إليه قديم ملكه في الوجهين. وبالرد بالعيب يعود حق الاسترداد لما ذكرنا، وهذا كله إذا عاد المبيع إلى ملك المشترى بما يكون فسخًا قبل قضاء القاضي بالقيمة على المشترى. فإن كان بعده فلا يعود حق الاسترداد؛ لأنه قد تم لزوم القيمة بقضاء القاضي فلا ينتقض قضاؤه بعد ذلك كالمبد المغصوب إذا أبق ثم عاد بعد ما قضى على الغاصب بالقيمة؛ وتعلق حق الوارث به لا يمنع حق الاسترداد؛ لأن ملك الوارث خلافه فكان في حكم عين ما كان للمورث، ولهذا يرد بالعيب فيما إذا اشتراه المورث ويرد عليه بخلاف ملك الموصى له؛ وكذلك ينقطع حق البائع؛ في الاسترداد ببناء المشترى في العقار المشترى شراء فاسدًا؛ وهذا عند أبى حنيفة - رحمه الله تعالى وعند أبى يوسف ومحمد: لا ينطع. وعلى هذا الخلاف الغرس (١).

[مذهب المالكية]

جاء في (مواهب الجليل): ومن اشترى أحد ثوبين وقبضهما ليختار واحدًا منهما وهو فيما يختاره في اللزوم لا بالخيار لأحدهما ومضت أيام الاختيار ولم يختر واحدًا منهما وتباعدت وهما بيد المبتاع أو البائع فإنه يلزم المشترى النصف من كل منهما؛ لأن أحدهما مبيع ولم يعلم ما هو فوجب كونه شريكًا فيهما الحط؛ وكذا إن ضاعا أو ضاع أحدهما قال ابن يونس: قال بعض فقهائنا: إذا اشترى أحد الثوبين على الإيجاب فضاعا جميعًا أو أحدهما بيد المبتاع فما تلف بينهما؛ وما بقى بينهما؛ وسواء قامت


(١) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: ٤/ ٦٤، ٦٥.