للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فعلا إذا اختلف الصحابة فى أشياء ذكروها ثم أجمع التابعون على أحد القولين المختلف فيهما ولا أدل على جواز الأمر وإمكانه من وقوعه فعلا.

فقد اتفق الصحابة على قتال مانع الزكاة بعد اختلافهم فى ذلك إلى غير ذلك من الأمثلة وهناك مناقشة فى الأمثلة التى ذكرت لا نطيل بإيرادها (١).

[عدم سبق الخلاف المستقر من المجمعين]

موضوع هذه المسألة هو: هل يجوز اتفاق أهل العصر على الحكم بعد اختلافهم فيه وهى قريبة من المسألة السابقة، والفرق بينهما أن أهل الإجماع فى هذه المسألة هم الراجعون بأعيانهم عما أجمعوا عليه، والمخالفون لأنفسهم، فإن المخالفين هم أهل العصر الثانى إذا أجمعوا على خلاف إجماع من سبقهم.

وحاصل الكلام فى هذه المسالة: أن الخلاف السابق إما أن يكون قد استقر بينهم بأن مضت مدة النظر والتأمل واستقر كل على ما رآه، وإما أن يكون غير مستقر بل هم فى فترة النظر وتقييد الرأى، فإذا استقر الخلاف بينهم على ما ذكرنا ثم بدا لهم أن يتفقوا على رأى واحد ويمنعوا من المصير إلى غيره ففى ذلك خلاف مبنى على مسألة انقراض العصر، أى موت المجمعين، فمن رأى اشتراطه فلا إشكال فى جواز اتفاقهم بعد اختلافهم، لأنه لم يتم الإجماع الأول فى نظره حتى تمتنع مخالفته، ومن لم يعتبر انقراض العصر شرطا، بل رأى أن الإجماع يتم منذ حصول الاتفاق ولا يحتاج تمامه إلى انقراض المجمعين، فإن هؤلاء اختلفوا فيما بينهم، فمنهم من جوزه واعتبره إجماعا بعد الخلاف وقال إنه يحسن أن يكون وذلك هو رأى جمهور أهل المذاهب (٢) وعليه أكثر الحنفية، والشافعية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥)، والزيدية (٦)، وابن حزم الظاهرى (٧)، ومنهم من منعه كالصيرفى (٨)، والإمام يحيى بن حمزة من الزيدية (٩)، وهو رأى الإباضية (١٠).

وإذا لم يكن الخلاف مستقرا فهو، أى الإجماع، جائز من باب أولى عند من يقول بالجواز بعد الاستقرار.

وقد اختار إمام الحرمين التفصيل، فإنه قال بعد حكاية الخلاف: والرأى الحق عندنا: أنه إذا لم يستقر الخلاف جاز وإلا فلا (١١).

مسائل خلافية تتعلق بالإجماع

فرض الأصوليون عدة مسائل تتعلق بالإجماع يدور فيها خلاف ينبنى على


(١) المرجع السابق.
(٢) إرشاد الفحول ص ٨١.
(٣) حاشية الإسنوى نقلا عن مسلم الثبوت - انظر الحاشية المذكورة ج‍ ٣ ص ٨٩٩.
(٤) الذخيرة ج‍ ١ ص ١٠٩.
(٥) روضة الناظر ج‍ ١ ص ٣٧٦.
(٦) هداية العقول ج‍ ١ ص ٥٩٠.
(٧) الأحكام لابن حزم ج‍ ٤ ص ١٥٥.
(٨) شرح الإسنوى ج‍ ٣ ص ٨٩٨.
(٩) هداية العقول فى الموضع السابق.
(١٠) طلعة الشمس ج‍ ٢ ص ٨٣.
(١١) شرح الإسنوى ج‍ ٣ ص ٨٩٩.