للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

من أهل العلم، قال الأوزاعى: لم نعلم أحدًا يُقتدى به فعل ذلك. ورخَّص فيه الحسن وعطاء وقتادة، فإن تكلم بكلام يسير جاز، وإن طال الكلام بطل الأذان فلا يعلم أنه أذن، وكذلك لو سكت سكوتًا طويلًا ونام نومًا طويلًا أو أغمى عليه أو أصابه جنون يقطع الموالاة بطل أذانه. وإن كان الكلام يسيرًا محرمًا كالسب ونحوه، فقال أصحابنا: فيه وجهان أحدهما: لا يقطعه لأنه لا يخل بالمقصود فأشبه المباح، والثانى: يقطعه لأنه محرم فيه، وأما الإقامة فلا ينبغى أن يتكلم فيها لأنها يستحب حدرها (١) وأن لا يفرق بينها. قال أبو داود: قلت لأحمد الرجل يتكلم في أذانه؟ فقال: نعم فقيل: يتكلم في الإقامة فقال: لا وليس للرجل أن يبنى على أذان غيره؛ لأنه عبادة بدنية فلا يصح من شخصين كالصلاة. والردة تبطل الأذان إن وجدت في أثنائه، وإن وجدت بعده فقال القاضي: قياس قوله في الطهارة أن تبطل أيضًا، والصحيح أنه لا تبطل؛ لأنها وجدت بعد فراغه وانقضاء حكمه بحيث لا يُبطله شئ من مبطلاته، فأشبه سائر العبادات إذا وجدت بعد فراغه منها بخلاف الطهارة فإنها تبطل بمبطلاتها فالأذان أشبه بالصلاة في هذا الحكم منه بالطهارة.

[مذهب الظاهرية]

جاء في (المحلى) (٢) أنه: من عطس في أذانه وإقامته ففرض عليه أن يحمد الله تعالى، وإن سمع عاطسًا يحمد الله تعالى ففرض عليه أن يشمته في أذانه وإقامته؛ وإن سلم عليه في أذانه وإقامته ففرض عليه أن يرد بالكلام، ثم الكلام المباح كله جائز في نفس الأذان والإقامة. قال الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} (٣). فلم تخص النصوص حال الأذان والإقامة من غيرهما ولا جاء نهى قط عن الكلام في نفس الأذان، وروينا عن وكيع عن محمد بن طلحة عن جامع بن شداد عن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمى عن سليمان بن صرد صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يؤذن للمعسكر فكان يأمر غلامه في أذانه بالحاجة (٤)؟ وعن وكيع عن الربيع بن صبيح عن الحسن البصرى قال: لا بأس أن يتكلم في أذانه للحاجة.

[مذهب الزيدية]

جاء في (الأزهار) (٥) أنه: إذا عرض للمؤذن أو المقيم ما يمنع من الإتمام للأذان أو للإقامة، أو استكمل الأذان وغير من الإقامة فإنها تصح من غيره النيابة عنه فيما قد بقى فيقيم ذلك الغير ويصح البناء على ما قد فعل فيتم غيره الأذان أو الإقامة ويبنى على ما قد فعله الأول، ولا يجب الاستئناف، ولا يصح ذلك كله إلا للعذر إذا عرض للأول نحو أن يؤذن ثم يحدث أو يعرض له عارض يؤخره عن الإقامة، واختلف في حده فقال الفقيه على: وقتًا يتضرر به المنتظرون للصلاة؛ وقيل: وقتًا يسع الوضوء، فلو أقام غير


(١) يقال في اللغة: حدر الأذان والإقامة: أي أسرع فيهما. المعجم الوسيط: ١/ ١١١ (مادة حدر).
(٢) المحلى: ٣/ ١٤٣ مسألة رقم ٢٢٧.
(٣) سورة النساء؛ آية: ٨٦.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، باب: من رخّص للمؤذن أن يتكلم في أذانة.
(٥) شرح الأزهار: ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.