للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[دلالة الأمر على الفور أو التراخى]

[أولا: المتكلمون]

١ - الغزالى (١):

مطلق الأمر يقتضى الفور عند قوم ولا يقتضيه عند قوم وتوقف فيه من الواقفية قوم ثم منهم من قال: التوقف في المؤخِّر. هل هو ممتثل أم لا؟ وأما المبادر فممتثل قطعا. ومنهم من غلا فقال: يتوقف في المبادر أيضا.

والمختار أنه لا يقتضى إلا الامتثال ويستوى فيه البدار والتأخير.

وبرهن على بطلان الوقف، فوجه الكلام إلى المتوقف فقال: هل المبادر يعد ممتثلا عندك أم لا؟ فإن توقفت فقد خالفت إجماع الأمة قبلك فإنهم على أن المسارع إلى الامتثال مبالغ في الطاعة مستوجب جميل الثناء، والمأمور إذا قيل له قم فقام يعلم نفسه ممتثلا ولا يعد به مخطئا باتفاق أهل اللغة قبل ورود الشرع وقد أثنى الله تعالى على المسارعين فقال: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم" وقال جل شأنه: "يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون".

وإذا بطل هذا التوقف فتقول: لا معنى للتوقف في المؤخر لأن قوله: اغسل هذا الثوب مثلا لا يقتضى إلا طلب الغسل والزمان من ضرورة الغسل كالمكان وكالشخص في القتل والضرب والسوط والسيف في الضرب؛ ثم لا يقتضى الأمر بالضرب مضروبا مخصوصا ولا سوطا ولا مكانا للأمر. فكذلك الزمان لأن الآمر ساكن عن التعرض للزمان والمكان فهما سيان.

ثم قال (٢): إن مدعى الفور متحكم وهو محتاج إلى أن ينقل عن أهل اللغة أن قولهم "افعل" للبدار ولا سبيل إلى نقل ذلك لا تواترا ولا آحادا. ولهم شبهتان:

الأولى: أن الأمر للوجوب وفى تجويز التأخير ما ينافى الوجوب إما بالتوسع وإما بالتخيير في فعل لا بعينه من جملة الأفعال الواقعة في الأوقات. والتوسع والتخيير كلاهما يناقض الوجوب. قلنا قد بينا في القطب الأول أن الواجب المخير والموسع جائز ويدل عليه أنه لو صرح وقال: اغسل الثوب أي وقت شئت أوجبته عليك لم يتناقض. ثم لا نسلم أن الأمر للوجوب ولو كان للوجوب إما بنفسه أو بقرينة فالتوسع لا ينافيه.

الشبهة الثانية: أن الأمر يقتضى وجوب الفعل واعتقا الوجوب والمزم على الامتثال ثم وجوب الاعتقاد والعزم على الفور فليكن كذلك الفعل.

قلنا القياس باطل في اللغات ثم هو منقوض بقوله: افعل أي وقت شئت. فإن الاعتقاد والعزم فيه على الفور دون الفعل. ثم تقول: وجوب الفور في العزم والاعتقاد معلوم بقرينة وأدلة دلت على التصديق للشارع والعزم على الانقياد له ولم يحصل ذلك بمجرد الصيغة.

[٢ - الآمدى]

استعرض الآمدى مذاهب الفقهاء في هذه المسألة فقال: (٣)


(١) المستصفى جـ ٢ ص ٩.
(٢) المستصفى ص ١٠.
(٣) الإحكام ص ٢٤٢ جـ ٢.