للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المسلمين للضرر أو الخطر ..

وقد أقر الخلفاء الراشدون هذا المبدأ وأعلنوه .. فها هو ذا الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه يخطب في المسلمين غداة توليه الخلافة ويقول: "أيها الناس: قد وليت عليكم ولست بخيركم .. فإن أحسنت فأعينونى وإن صدفت فقومونى .. أطيعونى ما أطعت الله ورسوله .. فإذا عصيت فلا طاعة لى عليكم .. ".

وكذا الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه خطب بعد توليه الخلافة وقال: "أطيعونى ما أطعت الله فيكم .. فإن عصيت فلا طاعة لى عليكم .. " وهكذا بقية الخلفاء (عثمان وعلى) يتتابعون على هذا المبدأ ويعلنونه في المسلمين ..

وأيضًا فإن منصب الخلافة أعلى منصب في الدولة ومركز شاغله أعظم مركز من جهة النظام وقواعد الحكم ..

فإذا ارتكب الخليفة ما يوجب العزل أو انحرف عن النهج القويم الواجب اتباعه والإقامة عليه .. فأية سلطة في الدولة يمكن أن تخلع هذا الخليفة وتعزله .. ليست هناك إلا سلطة الأمة التي ولته بنفسها أو بنائبها هي صاحبة الحق في ذلك تمارسه وتباشره بواسطة أهل الحل والعقد وهيئة الشورى والأمة وإن كانت صاحبة الحق في عزل الخليفة إلا أنه لا يعزل إلا لسبب تقتضيه .. فإن عزلته الأمة بدون سبب لا ينعزل ..

وفى الثاني: قال السعد التفتازانى في شرح المقاصد (١): "لا يجوز خلع الإمام بلا سبب .. ولو خلعوه لم ينفذ .. وإن عزل نفسه .. فإن كان يعجز عن القيام بالأمر انعزل وإلا فلا .. ولا ينعزل الإمام بالفسق والإغماء وينعزل بالجنون وبالعمى والصمم والخرس وبالمرض الذي ينسيه العلوم.

ثم قال في موضع آخر: "ينحل عقد الإمامة بما يزول به مقصود الإمامة كالردة والجنون المطبق والأسر الذي لا يرجى منه الخلاص والمرض الذي ينسيه العلوم والعمى والصمم والخرس وكذا بخلعه نفسه لعجزه عن القيام بمصالح المسلمين وإن لم يكن العجز ظاهرًا بل استشعره في نفسه ويحمل عليه خلع الحسن بن على رضى الله عنهما نفسه من الخلافة ..

وأما خلعه لنفسه من غير سبب ففيه خلاف، وكذلك في انعزاله بالفسق خلاف .. والأكثرون على أنه لا ينعزل به .. وهو المختار من مذهب الشافعي وأبى حنيفة رضى الله عنهما وعن محمد رضى الله عنه روايتان .. ويستحق العزل بالفسق بالاتفاق .. وأما القاضي فينعزل بالفسق على الأظهر .. ومن صار إماما بالقهر والغلبة ينعزل بأن يقهره آخر ويغلبه ..

وقال أبو الحسن الماوردى (٢): "والذي لا يتغير به حال الإمام فيخرج به عن الإمامة شيئان:

أحدهما: جرح في عدالته ..

والثاني: نقص في بدنه ..

فأما الجرح في عدالته وهو الفسق فهو على ضربين:

أحدهما: ما تابع فيه الشهوة ..

والثاني: ما تعلق فيه بشبهة ..

الأول: منهما فمتعلق بافتعال الجوارح


(١) شرح المقاصد للسعد التفتازانى جـ ٢ ص ٢٧٢.
(٢) الأحكام السلطانية لأبى الحسن الماوردى ص ١٧ وما بعدها.