للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[الخادمة]

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

وقفت نعيمة أمام المرآة تنظر فيها، وتتأمل نفسها بادية في صقالها، وفي يدها منفضة من الريش الناعم، ثم صوبت عينها إلى أدوات الزينة المرصوصة. . لقد صارت الآن خادمة وصار عملها أن ترتب هذه الغرف الوثيرة الأثاث. . فلشد ما انتقلت بها الأحوال!! منذ سنتين اثنتين، لا أكثر، كانت تنام على مثل هذا السرير. . وكان لها خدم، وحولها حشم. . وكانت قلما تقوم قبل الضحى. . كانت تفتح عينيها، وتتمطى، وتتثاءب، وتنظر إلى الساعة الدقيقة على معصمها فتعلم أن الشمس قد ارتفعت؛ وأنه آن لها أن تنهض. وتمد يدها إلى الزر، وتضغط فتجيء الخادمة - بهية - وتسألها (نعم يا ستي؟) فتقول لها أعدي الحمام، فتفعل وتجيئها قبل ذلك بالشاي وتنحي الستاير. . . وتهم بهية بالخروج فتناديها وهي تتقلب على السرير من الكسل، (والنبي يا بهية دوسي لي على كتفي. . .) كان هذا منذ سنتين. . كأنه حلم!. . زالت النعمة كلها وأفلس أبوها (إفلاساً بتدليس). . وانتحر. . . وتركها تملك قوت يومها. . استطاعت أن تحيا، على نحو ما، بضعة شهور، ثم لم يبق بد من ابتغاء الوسيلة إلى القوت. . وهذا أول بيت غريب دخلته لتعمل فيه

وانتقلت نعيمة إلى السرير، وتناولت الوسائد الصغيرة المبعثرة عليه، لتصلحها وترتبها، فأوحى إليها منظر السرير الواطئ اللين الشعور بالحاجة إلى التمطي. . أن تستلقي عليه وتمد رجليها وتفتح ذراعيها وتتثاءب وتقول (آ. . الخ). . . ولم لا؟. . إن هذا الجناح من البيت ليس فيه أحد. . وقد خرج سيدها منذ ساعة، وهي الموكلة بهذه الناحية. . وليس هناك من تخشى أن يفاجئها سوى (حسن). . ما أثقله!! هو رئيس الخدم. يدخل في رحمته من يشاء ويخرج منها من يشاء. لم يكن في بيتها هي أيام النعمة رئيس للخدم. كانوا جميعاً خداماً، وكانت هي الرئيسة دون سواها. . أمها ميتة. وأبوها يدع لها هذه الأمور. . ولكن جميل بك يؤثر نظاماً غير هذا. . ولاسيما بعد أن فسد ما بينه وبين زوجته فخرجت من البيت

وجلست على السرير، وهي تحدث نفسها بأنها لاشك تستطيع تسمع وقع قدمي حسن، إذا خطر له أن يجيء إلى هذه الناحية. فإنه ضخم غليظ ثقيل. . ومشيه دبدبة. ومالت على

<<  <  ج:
ص:  >  >>