للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[رحلة أبي الطيب المتنبي]

من مصر إلى الكوفة

للأستاذ أحمد رمزي بك

ترك المتنبي الفسطاط في ليل عيد الأضحى سنة ٣٥٠ ودخل الكوفة في ربيع الأول سنة ٣٥١ هجرية.

أحب أبا الطيب المتنبي وأتغنى بشعره، فنظمه لدى نشيد الإنشاد. إذا جال شعره في خاطري أو طرق أذني أحسست بأنني لست غريباً عن صاحبه، وكأنني قد تعرفت إليه وعاشرته في حياة أخرى قبل اليوم. إن شعر المتنبي كالدواء المنعش الذي يفرضه الطبيب على المريض في دور النقاهة لكي يقوى جسمه وتشتد نفسه، فإذا اعتاده المرء صعب عليه بعد الشفاء أن يتركه، وأصبح بحكم العادة جزءاً متمماً لمأكله ومشربه.

كذلك شعر أبي الطيب هو الدواء النفسي الذي لجأت إليه كثيراً لكي أقوي نفسي على مواجهة الملم من الأمور، ولكي أقدم على الصعب منها ولكي أحيا الحياة التي تلائمني.

كان رحمة الله عليه يحب المجد، ولا أنكر على القارئ أنني أحب المجد وممن يعشق العلا، وكان المتنبي خير شعراء العالم في وصف الحرب ومعاركها ومشاهدها، ولا أخفي على القارئ أنني أعتبر الأمم التي تحارب وتواجه الموت أقوى الأمم وأعزها وأحقها بالحياة - فالحياة إذا لم تقترن بالمخاطرة والإقدام في كل يوم فلا قيمة لها في نظري. وأنا ممن يفهم قوله:

ولا تحسبن المجد زقاً وقينه ... فما المجد إلا بالسيف والفاتكة البكر

وتركك في الدنيا دوياً كأنما ... تداول سمع المرء أنمله العشر

أنا لست أديباً ولا صناعتي الأدب، أقول هذا لأقرر حقيقة واقعة، ولكني أومن بأن الشعر والأدب ليسا وقفاً على الأدباء والشعراء، وإنما الأدب بضاعة يتذوقها الناس جميعاً، هي مثل الهواء والنور. وكنت أطمع في أن أكون أديباً ولكن عملي وكثرة مشاغلي حالت بيني وبين التفرغ للأدب، وإن كنت عودت نفسي أن أختلس الفرص لمجالسة أهل الأدب آخذ عنهم وأتحدث إليهم، وأرى أن كل دقيقة أقضها في صحبتهم هي متعة لي، ويرجع ذلك إلى ما ألمسه فيهم من رقة الإحساس. . . فهم برغم ما يشيعونه عن أنفسهم، مصابيح الظلام

<<  <  ج:
ص:  >  >>