للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الغباء الاجتماعي. . .]

للأستاذ محمد عثمان محمد

في ركن هادئ بأحد المقاهي العامة، جلس اثنان يتجاذبان الحديث، أحدهما محامٍ له ماضيه وشهرته، والثاني طبيب مشهور يعمل كبير لجراحي إحدى المؤسسات. .

وتشاء الصدفة البحتة أن يمر بها أثناء جلوسهما صديق قديم للمحامي، ليست له معرفة بالطبيب. .

وبالرغم من أن هذا الصديق مثقف ثقافة عالية، وحائز على أرقى الدرجات العلمية، إلا أنه لم يراع الكياسة الواجبة، واللباقة الأدبية في مقام التحية والترحيب. .

فهو مثلاً، لم يعط الفرصة لصديقه الحامي حتى يقدمه إلى صديقه الطبيب، بل رفع الكلفة من تلقاء نفسه وأسرع بمد يده إلى الطبيب الجراح مسلماً هازاً يده في حرارة وحماس شديد، كأن له به سابق معرفة، أو كأنه صديق قديم لم يره من زمن بعيد

وبمجرد جلوسه أخذ يسترسل في الحديث، منتقداً الطب والأطباء قائلاً أنهم فئة جشعة تجردت من الرحمة قلوبها، فئة أعمتها الأنانية الخبيثة، وبهرتها المادة الزائفة ببريقها الأخاذ، فسرعان ما طمست ضمائرها، ففقدت إنسانيتها التي كانت فيما مضي تعتز بها أيما اعتزاز. . . تصوروا أن بعضهم يأبى فحص المريض قبل المساومة. . . إلى آخر ما في جعبته من مثل هذا اللغو المسترسل حتى احمر وجه صديقه المحامي خجلاً. .

أمثال هذا الصديق، كثيرون في المجتمعات المختلفة، والأوساط المتباينة في الشرق وفي الغرب. تجدهم بين الطبقات الغنية الأرستقراطية، وبين الطبقات المتوسطة الديمقراطية، وبين الطبقات الفقيرة العمالية. تجدهم بين المتعلمين المثقفين، وبين أنصاف المتعلمين، وبين الأميين على السواء. .

وهؤلاء، من أمثال هذا الصديق، يمكن اعتبارهم مرضى، مصابون بما يسميه النفسانيون (الغباء الاجتماعي).

وهم لا يعنون بهذا الغباء ضعف الذاكرة، أو فقدان الذكاء العقلي، أو انطفاء الشعلة الذهبية المتقدة. كلا، فقد يكون الرجل ألمعياً، وعالماً عبقرياً، وحائزاً أرقى الدرجات الجامعية، ومع ذلك قد يكون مصابا بهذا (الغباء الاجتماعي). . وقد يكون الرجل أمياً، لا يعرف القراءة

<<  <  ج:
ص:  >  >>