للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من برجنا العاجي]

كل شيء أمامي في الريف يرتل نشيد السلام. فشجيرات الفول الخضراء ترقص مع النسيم، وترسل في الفضاء من حولي أريج زهرها الأبيض كما ترسل القبلات المعطرة. والبقرة ذات الأهداب الشقراء تتمطى في أشعة الشمس كأنها حسناء تستيقظ في فراش دافئ. والكلب رابض أغمض عيناً وفتح أخرى تلقي على الكائنات نظرات الرضا والصفاء. والدواجن والهوام والأرض السمراء وجداول الماء، كلها بأصواتها الصغيرة وأزيزها اللطيف وصمتها الدائم وخريرها الهامس تتراءى للمتأمل كأنها تتبادل حواراً خفياً مفعماً بكلمات الود والحب والأخاء الأبدي، وكأنها جميعاً في حركتها وسكونها جوقة موسيقية تخضع إلى يد غير منظورة كي توقع لحناً متناسقاً أزلياً لا يسمعه غير الأنبياء والشعراء.

صوت واحد نشز في أذني عن هذه المجموعة: هو صوت الإنسان. متى ظهر ظهرت معه الفوضى، ونشأ الخلاف حيث لا ينبغي أن يكون خلاف. تلك طبيعته. وقد تكون تلك أيضاً عبقريته.

جلس إليّ رجلان لا يختلفان في الزي ولا في اللغة ولا في اللهجة. لكن سرعان ما سمعت أحدهما يقول لصاحبه:

- أنت فلاح. أما أنا فعربي.

فعنيت بالأمر، وبادرت أسأل الرجل السؤال الذي طال ما ألقيه في مثل هذا الظرف:

- وما الفرق بين الفلاح والعربي؟

فأجاب الرجل بذلك الجواب الذي سمعته كثيراً في مثل هذا الموضع: مروءة العربي وشجاعته وشهامته وإكرامه الضيف وحمايته الجار. ثم. . . ثم شرف النسب. لم يدهشني ذلك ولكن الذي أدهشني حقيقة، وقد لا يصدقني البعض إذا ذكرته هو أن هذا الرجل غير المتعلم قد أشار إلى صاحبه وقال:

- أما جماعة الفلاحين فما هم إلا أولا توت عنخ آمون!

عجباً! إذن منشأ الخلاف بين العروبة والفرعونية ليس أدمغة المفكرين والمثقفين، إنما هو في الريف وفي قلوب ساكنيه!

توفيق الحكيم

<<  <  ج:
ص:  >  >>