للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الرمزية في التفكير الإنساني]

للأستاذ عبد المنعم عبد العزيز المليجي

مهما سما حظ الحيوان من الذكاء، وأياً كانت قدرته على تعديل سلوكه والتصرف والاحتيال إزاء المواقف الجديدة تحقيقاً لأغراضه، يبقى برغم ذلك فرق جوهري هي السر في تربع الإنسان على عرش الكائنات الحية، وسيطرته على الطبيعة بقدر ما يكشف من أسرارها وقوانينها. وسأحاول في هذا المقال أن أشرح هذا الفارق والفروق الأخرى الفرعية. أما الفارق الأصلي هو: أن الذكاء الإنساني ليس ذكاء حسياً فقط بل ذكاء رمزياً أيضاً، فالوظيفة الرمزية في التفكير الإنساني هي الفيصل الحق بين عقل الإنسان وعقل الحيوان، ولذلك ينبغي أن نذكر أن كلمة تفكير لا تطلق على الحيوان إلا تجاوزاً - إنما التفكير الحق هو التفكير الرمزي.

بيان ذلك أن الحيوان يدرك الموجودات المادية إدراكاً حسياً، أي تتطبع صور الأشياء التي يحسها بحواسه على صفحة الذهن. فهو يدرك كائنات مفردة أو جزئية - حسب التعبير المنطقي - ويستعيد صورها في غيبتها، ويتعرف عليها إن رآها بعد ذلك. الكلب مثلاً: يرى صاحبه فيدركه إدراكاً حسياً، ويرى غريباً فلا ينقطع عن النباح مما يدل على أنه أدرك الغريب، وعلى أن يستطيع التمييز الحسي بين شيئين كما استطاع التمييز حسياً بين صاحبه وبين الغريب. وإذا تغيب صاحبه ردحاً من الزمن وعاد بعده إلى بيته، اندفع نحوه وقد بدت عليه علامات الارتياح التي تنم عن وجود القدرة العقلية الموجودة لدى الإنسان كالإدراك الحسي وترابط الصور، والتمييز والتخيل والتعرف والتذكر، بل إن بعض الحيوانات حتى العصافير تتحرك حركات استدل منها بعض علماء النفس الحيواني على وجود الأحلام لديها. بيد أن هذه العمليات جميعاً لا تتجاوز المستوى الحسي بأي حال، فما يكون في ذهن الحيوان إذ يدرك أن يتخيل أو يحلم ليس إلا صورة أو مجموعة من الصور الحسية لأشياء جزئية مشخصة، تتولى على صفحة الذهن، متداخلة متشابكة متفاعلة، كما تتوالى صور الفلم على الشاشة البيضاء.

إن المادة التي يعالجها عقل الحيوان هي صور الموجودات الجزئية الموجودة في زمان معين ومكان بالذات، والمتصفة بالصفات الحسية كاللون والطعم والرائحة والشكل والحركة

<<  <  ج:
ص:  >  >>