للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[الحج]

للدكتور عبد الوهاب عزام

كان سلفنا إذا أرادوا الحج تأهبوا لسفر شاق، وغاية بعيدة وتزودوا لشهور عدة، ووطنوا أنفسهم على ما يلقون من المشقات والشدائد والأخطار. كان المصريون يذهبون بالبر من طريق سيناء فالعقبة لا يركبون البحر، أو يسيرون إلى القصير فيجتازون البحر إلى الحجاز. ثم جاء عصر البواخر فتيسرت الغاية وقصرت المدة، ولكن بقي بعد هذا قطع المسافة بين مكة والمدينة على ظهور الإبل، وبقي سوء الأحوال الصحية في مجامع الحج، والتعرض للصوص وقطاع الطريق في كل مرحلة وكل حين. بل كان المحمل المصري وهو في حراسة الجند والمدافع لا يجتاز المسافة بين مكة والمدينة إلا بعد إرضاء القبائل الضاربة على الطريق. وكان هؤلاء يتحكمون ويشتدون في مطالبهم، فإذا لم تجب مطالبهم باغتوا الحجيج بالغارة. بل قال المرحوم إبراهيم رفعت باشا الذي تولى إمارة المحمل سنين إنه زار غار حراء سنة ١٣١٨ ومعه مائة جندي وقال (ومما ينبغي لزائري هذا الجبل أن يحملوا معهم الماء الكافي وأن يكونوا جماعاً يحملون السلاح حتى يدفعوا عن أنفسهم شر اللصوص من العربان الذين يتربصون الفرص لسلب الحجاج أمتعتهم ونقودهم خصوصاً في مكان منقطع كهذا لا يقصده إلا بعض الحجاج. وقد بلغني أن أعرابياً قتل حاجاً فلم يجد معه غير ريال واحد فقيل له: تقتله من أجل ريال؟ فقال وهو فرح: الريال أحسن منه)

ذلكم الحج قبل سنين، وأما الحج في هذا العصر فقد تهيأت وسائله وتيسرت مسافاته وأمنت سبله. تنقل الحجاج بواخر كبيرة. وحسبك ببواخر شركة مصر التي أعدت لراحة الحجاج وتمكينهم من أداء فرائض الدين في يسر وطمأنينة. في كل باخرة مصلى تقام فيه الصلوات الخمس ويؤذّن لكل وقت. فإذا بلغ الحاج جدة وجد المطوفين في انتظاره يتكفل المطوف الذي يختاره براحته وإعداد السيارات له في كل طريق. ويجدون في مكة العناية براحة الحجيج وصحته. فالحكومة تتخذ الوسائل التي تمنع الزحام، وتراقب مساكن الحجاج وتلزم أصحابها أن يطهروها وينظفوها

فإذا حان وقت الخروج إلى منى وعرفات، احتاطت الحكومة فمنعت التزاحم في الطريق وعنيت براحة الحجاج على قدر استطاعتها. وإذا قضى الناس مناسكهم وأرادوا السفر إلى

<<  <  ج:
ص:  >  >>