للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[من أحاديث الإذاعة]

بين الوحوش والبهائم!

للأستاذ على الطنطاوي

أيها المستمعون الكرام. أنتقل بكم هذه العشية إلى بقعة في مصر، جمعت فيها عجائب البلدان، وغرائب الحيوان، فوضح فيها البحر بحيتانه وتماسيحه، وأفراسه وسباعه، والبر بصحاريه وغاباته، وأسوده وفهوده، ووعوله وغزلانهن وأقيمت بها الذرى المخضرة من لبنان تتفجر منها الينابيع وتتحدر السواقي، وتغني عليها البلابل والشحارير، ومدت فيها القفار والجرداء من الجزيرة تسعى فيها المها وتتسابق العير، والأحراج الملتفة من الهند تمشى فيها الفيلة، والثلوج المبسوطة من القطب تخطو عليها الدببة. وعاشت فيها الحيات والثعابين إلى جنب الحمام والعصافير، وصحبت فيها المعزى الذئاب، والثعالب الدجاج، والسباع البشر. وفيها (الجبلاية) هذا الجبل المسحور، تدخل منه إلى مسارب منحوتة في الصخر ولا صخر، وكهوف تتسلسل فيها العيون ولا عيون، وقاعات في باطن الأرض كأنما أعدت لتكون مخادع للحب أو محاريب للتأمل، وكأنما هي أحلام شاعر قد تحققت، وأمنية حالم قد تجسمت، وطرق ظاهرة وخفية تنقلك في خطوات من حر الصيف إلى برد الشتاء، ومن جلوات الطبيعة في أعراس الربيع، إلى خلوات النفس في نشوات الرؤى، تلك هي (حديقة الحيوانات).

وهي بعد هذا كله معرض للإنسان، ترى فيه طباعه وأزياءه، وخلائقه ولغاته، تسمع فيه أشتات الملاحظات، وعجائب التعليقات، تمشى مع الناس فتجد فيهم من يسير على هدى فيرى كل شيء ويقف عليه، ويخرج وما فاته مشهد، ولا ناله تعب، ومن يدع اللوحات الدالة على الطرق، والحراس المرشدين إلى المسالك؛ ويسيرعلى غير الطريق، فيدور دوران السانية، فيتعب نفسه، ولا يبصر شيئا، ولا يخرج بفائدة، فكأنه الرجل الضال الذي يترك هدى الأنبياء، وحكمة الحكماء، ويتبع عقله الأعوج وهواه، فلا يسعد في دنياه، ولا يسلم في أخراه، وتمر على حراس الحيوانات فتجدهم قد فرقت بينهم الحظوظ إذ ساوت بينهم الوظيفة، فحارس القرد والفيل والدب الأسمر، يلعب حيوانه فيقف عليه الناس، وتلقى عليه القروش، فيتسلى ويغتني، وحارس الخنزير لا يلتفت إليه أحد.

<<  <  ج:
ص:  >  >>