للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[قصة واقعة:]

أعرابيّ في حمام. . .

الأستاذ على الطنطاوي

صحبنا في رحلتنا البرية إلى الحجاز، دليل شيخ من أعراب نجد، يقال له (صْلَبّي) ما رأيت أعرابياً مثله، قوة جنان، وفصاحة لسان؛ ولولا مكان النبرة البدوية من لسانه، لقلت قد أنصرف الساعة من سوق عكاظ لبيان لهجته، وقوة عارضته، وكثرة ما يدور على لسانه من الفصيح. . . وكان أبيّ النفس، أشم المعطس، عالي الهمة، كريم الطباع، ولكن فيه جفوة الأعرابي. . .

رافقنا أياماً وليالي، فما شئنا خلة من الخير إلا وجدناها فيه: كان يواسينا إذا أُصبنا، ويؤثرنا إذا ضقنا، ويحمينا إذا هوجمنا، ويحرسنا إذا نمنا، ويقنع إذا قسمنا، ويشكر إذا أعطينا، ويصبر إذا منعنا، ويعذر إذا اعتذرنا، ويعفو إذا أسأنا ولين إذا اشتددنا، ولا يشتدّ إذا لنّا. . . على خفة روح، وسرعة جواب، ونكتة حاضرة، وشجاعة نادرة. . . قلنا له مرة:

- إن (صْلبة) في عرب اليوم، (كباهلة) في عرب الأمس، قبيلة لئيمة خسيسة، يأنف الكرام من الانتساب إليها، وأنت فيما علمنا سيد كريم، من سادة كرام، وليس لك في هذه القبيلة نسب، فما بالك تدعى (صْلبي) ولا تغضب؟

- فقال: صدقتم والله، ما أنا من (صْلبة) ولا (صُلبة) مني، أني لكريم العمّ والخال، ولكن لهذا الاسم قصة وأنا قاصّها عليكم

- قلنا له: هات

- قال: كان أبواي مُثكلَين لا يعيش لهما ولد، فلما رزقا بي تاسع تسعة ماتوا جميعاً، وأعجزتهما الحيلة، احتسبا عند الله مصيبتهما بذل الاسم، وسمياني صْلبي

- قلنا: أن سمياك صْلبي عشت؟

- قال: نعم! أن عزرائيل أكرم من أن يقبض روح صْلبي؟ وأرفع من أن يمسه بيد. . .

- وسألناه مرة: هل أنت متزوج يا صْلبي؟

- قال لقد كنت متزوجاً بشر امرأة تزوجها رجل، فما زلت أحسن إليها وتسيء إلي حتى

<<  <  ج:
ص:  >  >>