للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[في ظلال مولد الرسول]

تفسير آية

للأستاذ سيد قطب

(تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كلمهم الله، ورفع بعضهم درجات. وآتينا عيسى ابن مريم البيات، وأيدناه بروح القدس. ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا، ولكن الله يفعل ما يريد).

(تلك الرسل). . لا هؤلاء الرسل. . إنهم جماعة خاصة، ذات طبيعة خاصة. ثم يجيء التفضيل والتفاضل في دائرة هذه الجماعة، أو هذه الطبيعة.

فما الرسالة؟ ما طبيعتها؟ كيف تتم؟ لماذا كان هؤلاء وحدهم رسلاً وبماذا؟

أسئلة طالما أشفقت أن أبحث لها عن جواب! إن حسي ليفعم بمشاعر ومعاني لا أجد لها كفاء في العبارات. ولكن لا بد من تقريب المشاعر والمعني بالعبارات!

إن لهذا الوجود سننا أصيلة، يشير إليها هذا القرآن فيقول: (سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا) هذه السنن هي القوانين الكونية التي أودعها الله في الوجود، ليسير على وفقها، ويتحرك بموجبها، ويعمل بمقتضاها.

والإنسان يكشف عن أطراف من هذه القوانين، كلما ارتقى في سلم المعرفة، يكشف عنها - أو يكشف له عنها - بمقدار يناسب علمه المحدود، المستمد من الملاحظة والتجربة، وهما وسيلتان جزئيتان في طبيعتهما؛ ولكنهما تقودان أحياناً إلى أطراف من القوانين الكلية، في آماد متطاولة من الزمان. ثم يظل هذا الكشف جزئياً لأن سر التناسق بين تلك القوانين كلها، الناموس الأزلي الخالد الذي بين القوانين جميعاً، ذلك السر يظل خافياً لا تهتدي إليه الملاحظة الجزئية، ولا التجربة الجزئية مهما طالت الآماد.

هنا يجيء دور الرسالة. دور الطبيعة الخاصة التي آتاها الله الاستعداد اللدني لتتجاوب في أعماقها - بطريقة ما نزال نجهل ماهيتها وإن كنا ندرك آثارها - مع ذلك الناموس الخالد الذي يسير الكون كله على هداه. . هذه الطبيعة الخاصة هي التي تلتقي الوحي، فتطيق تلقيه، لأنها مهيأة لاستقباله. أنها تتلقى الإشارة الإلهية التي يتلقاها هذا الوجود، لأنها متصلة

<<  <  ج:
ص:  >  >>