للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[طرائف من العصر المملوكي]

رسالة الدار عن محاورات الفار

أو فن القصة

للأستاذ محمود رزق سليم

هذا عنوان طريف حقاً يثير الطرب، ويدفع السامع إلى تلمس الأثر واستطلاع الأثر. فكم للفار بين الدار من آثار، وكم للدار عند الفار من أخبار، وما ينبئك مثل خبير. فهو ربيب فتوقها ودعي شقوقها. أتخذ من أحجارها مأمنه، وبين جدارها مسكنه. فحفظ أخبارها وكتم أسرارها. والدور تتقلب بها الأيام كما تتقلب بالرجال. فتشقى مرة وتسعد أخرى. وتفيض تارة بالخير، وتبوء تارة بالفراغ منه. وعليها من خارجها طلاء يغشي جدرها، يبهر العين ويخدعها عما رواءها.

أما الفأر فهو بها الضيف المقيم، والزائر الذي لا يريم. يشاركها في سرائها وضرائها. يسعد إذا هبت عليها انسام السعادة، ويشقي إذا عصفت بها ريح الشقاء.

وكثيراً ما تضم دور الكرماء طوائف الفيران وجماهير الجرذان. ولها مما فضل نصيب، تمد منه الموائد، وتتنادى إليها ضيافن، لم يوجه لها نداء ولم يرسل إليها استدعاء، فحسبها أنها في دور الكرماء! فتملأ البطون وتعبئ الحصون، وتسهد إلى وقت سامرة، وتنقلب إلى مخادعها شاكرة ذاكرة - أما دور البخلاء - جنبت جنابها ووقيت أعتابها - فإنها لا فضل فيها لجائع، ولا ثمالة لظامئ، ولا ستر لمحروم. طالما نصب أهلها للفأر المصائد، ودبروا المكائد. فأنقلب عنهم ساباً شاتماً يذكرهم بكل قبيحة، ويرميهم بكل مذمة: ونفسه فياضة منهم بالعجب لأنهم يختزنون - فضلاً عن المال - ألواناً من الطعام والشراب. فإذا لم يكن للفأر فيها نصيب، فلمن يختزنونها، ولأي شيء يقتنونها؟

والعجب كل العجب أن يلتئم الغنى والبخل، وينسجم الفقر والبذل! أما الأغنياء فبخلاء، لا ينون بأس الأناقة والنظافة، والخوف من الداء وانتشار الوباء، يرأبون الصدوع، ويسدون الفرج، ويغلظون الدهان، ويبثون الفخاخ. وإذا طعموا فبالقسطاس، وإذا شربوا لا يبقون في الكأس. وإذا افضلوا فاليسير من الفتات الذي لا يصلح للأقوات؛ فلا يقوى عليه الضعيف،

<<  <  ج:
ص:  >  >>