للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[مظاهر العبقرية في الحضارة الإسلامية]

للأستاذ خليل جمعة الطوال

- ١ -

لقد امتدت عداوة المناوئين للإسلام إلى حد النيل من حضارته والطعن في مدنيته وانتقاض أمره وكل ما من شأنه أن يتصل به؛ وليس أهون على المتحامل من أن يطعن وينال بغير رويه ولا تدبر، ذلك لأن سبيلهما جد ميسورة، ومؤنة امتهانهما أيسر، ومن المؤسف حقاً أن تبلغ العداوة للإسلام بالأوربيين حد الإجحاف بالحق، والجناية على العلم والتاريخ؛ ولئن جاز لرجال السياسية أن ينساقوا لتيار أهوائهم وأن يبنوا أحكامهم على قاعدة أغراضهم ومصالح قومياتهم، فما أحسب هذه السبيل مشروعة في كتابة البحوث العلمية؛ ذلك لأن العلم لا يدخل البتة في حساب الأهواء والقوميات، بل هو أمر مقدس فوق جميع هذه الاعتبارات يزكو بالنزاهة، ويزهو بالأمانة له، وهو فوق ذلك ملك مشاع بين جميع الأمم؛ لا فضل لهذه على تلك فيه إلا بمقدار ما أسدت له من الخدمات، وأودعت في كنوزه من الاكتشافات والاختراعات.

وإنه لمن الجناية الكبرى على العلم، أن تقوم في طبقة العلماء فئة لم تحرر بعد من قيود المنازع، وأغلال الأهواء؛ ولا عرفت قط قيمة النزاهة العلمية والأمانة التاريخية؛ فتحاول جهدها باسم العلم أن تبخس الإسلام فضله على المدنية، وأن تطمس من سجل الحضارة صفحة مشرقة تشهد بجلالها وروعتها جميع تواريخهم وأدوات حضارتهم؛ فمن هذه الأحكام الجائرة التي يبرأ منها الإنصاف ويمجها العلم وتلفظها الحقيقة، ما جاء عن (أندريه سرفي) إذ يقول: (لم يكن الإسلام شعلة، بل مطفأة نشأ من قلب متوحش، لأمة متوحشة، فكان ولا يزال عاجزا عن أن يساير الزمن ويجاري التمدن، ولقد أثبت في كلُّ بقعة ارتفعت فيها أعلامه أنه وقف صخرة ناشزة في سبيل التقدم، وأنه خنق نشوء المجتمع، وفي كتب المغرضين الشيء الكثير من هذه الحملات الطائشة والأحكام الغثة الجائرة التي لا يدعمها دليل ولا تدمغها حجة.

لم يقف (سرفيه) عند هذا الحد من التحامل بل راح يقول أيضاً (وإن المدنية الإسلامية أقل من أن يعتن بدراستها إذ هي تقليد مشوه لمدينتي اليونان والرومان سقط العرب على مادتها

<<  <  ج:
ص:  >  >>