للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[إلى الخير. . .]

للأستاذ ثروت أباظة

. . . نعم يا سيدي، لقد رأيتني أهيم في الحوالك من الظلمات، شارداً أضرب في الحياة وتضرب بي ولا تصير. . . أقطع الطريق أو أقف دونه لا يشجعني على السير صديق أو يحثني دون الوقوف رفيق وأنا مع الحياة لا أبالي أيان يلقي بي موجها، فكل أفق لي قِبلة، فليس لي في أي أفق من الآفاق أمل مرتقب، وحولي الناس كلهم لاهٍ عن غير إلى نفسه، فلهوت عنهم؛ ولم يكن لي نفس لأثوب إليها أو أطمح بها، فكنت أشرئب إلى السماء مرات خمساً بين الصباحين فاسأله في عليائه أن يفسح بيني وبين أحد عباده على الأرض طريقاً. . . فإذا طال بي السؤال دون الإجابة ابتهلت إليه أن يضمني إلى سمائه أرى الرحمة الكبرى من ورائها تلف التقي في سيبها والمعاصيا.

ولم يكن بي عصيان لأوامره، غير أنني أحسست على الناس النقمة، وكرهت أن أرى السميد منهم، فأنصرفت إلى دار الكتب حيث يباح التثقيف بغير أجر، فظلت أقرأ وأقرأ، وكنت كلما ازددت قراءة قلت في نفسي: لو لم تكن هذه الكتب من عمل الإنسان لكانت أعظم مما هي عليه. . . وكنت أعجب كيف يستطيع الإنسان الكنود أن يخرج مثل هذا الصفاء. . . كتاب لا يَملك، فإذا مللته أنت لم يغضب، بل يقيم أيان تضعه منتظراً منك العودة؛ فإذا عدت لاقاك مفتوح الصدر، صريح العبارة، لا يخفى عنك شيئاً؛ وإذا قصر يوماً عن ابلاغك مرادك اعتذر إليك وقدم زميلاً له يشرح ما غمض فيه. . . هكذا يا سيدي عرفت صديقاً على الأرض، وهكذا كنت أفكر في شأنه، فما خانني ولا خنته، بل زادني تجربة وعلماً. . . وهكذا يا سيدي خلت أن الله قد أجاب به الدعاء وحقق لي الأمل فرحت أكتب إلى الجرائد أستعين بما ترسله من مال زهيد على مأكل يأبى الوصول إلىّ، أو مسكن ينفر - على رئاسته - أن يضمني بين حشراته، أما الناس يا سيدي فقد يئست من وجودهم منذ أزمان بعيدة.

ولم يكن اليأس مريحاً - كما يقولون - فقد ضنيت به برغم صداقة صاحبي، الكتاب. . . كذلك ياسيدي كنت حين شاء لك ذوقك الأدبي الرفيع أن تختارني لأعمل لديك على سبيل الدوام فقصدت إليك يائساً من الصداقة والشهرة، أملاً في الكسب، ولاقيتني يا سيدي

<<  <  ج:
ص:  >  >>