للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الأزهريون والخدمة العسكرية]

للدكتور محمد عبد الله ماضي

في الأيام الأخيرة قامت ضجة حول ما أشيع من عزم وزارة الحربية المصرية على وضع تشريع يقضي بتجنيد حملة القرآن الشريف، وطلبة العلم بالمعاهد الدينية، حتى إن بعض الهيئات المحترمة قررت استنكار هذا الأمر، ورأت فيه ما لا يتناسب وحرمة الدين، وما يتنافى مع تكريم أهله. ولعل لأصحاب هذا الرأي بعض العذر، ولعل لديهم من القرائن البعيدة عن جوهر الموضوع وما حملهم على الاستنكار، وجعلهم يرون في مثل هذا التشريع مساساً بكرامة الدين وأهله؛ ولكني أريد هنا أن أحاول معالجة موضوع التجنيد العام في ذاته، وأن أبين رأي الإسلام فيه

ولابد لنا أن نعرف أولاً أن غزيرة الكفاح من الغرائز البشرية ذات الأثر الفعال في حياة الأفراد، وفي نظام الجماعات وتكوينها؛ ولقد كان هذا الأثر واضحاً في كل العصور، وفي جميع تطورات الجماعة من البسيطة الهمجية إلى الراقية المتحضرة. فالكفاح الدائم بين الأفراد والجماعات من سنن الطبيعة وقوانينها مادامت الطبيعة وما عاش الإنسان؛ وهو الوسيلة لبقاء الأصلح، وفناء العاجز الضعيف؛ وهو إذاً سبيل الحياة الدائمة المتواصلة، كما يقول نوفيكوف وبقية أصحاب نظرية الكفاح من علماء الاجتماع

والحرب نوع من أنواع الكفاح القاسية التي نراها لا تزال تتكرر في مختلف العصور بالرغم من بغض الناس لها، وبالرغم مما تجره وراءها من ويلات. وإن الدعوة إلى السلام الدائم بين جماعات الشعوب أمر محمود، ولكنه لا يغير من الواقع شيئاً، وحلم لذيذ لم نر إلى الآن أن الوقائع التاريخية والحوادث الاجتماعية تساعد على تحقيقه. ففي الحوادث التي وقعت في السنوات الأخيرة بين الشعوب المنتسبة إلى عصبة الأمم - حصن الدعوة إلى السلام الدائم - وفيما تكرر ويتكرر من اعتداء قويهم على الضعيف منهم ما يبين لنا أن دعاة السلم لم يتعدوا في دعوتهم حدود القول، ولم يأتوا بشيء عملي لتحقيق ما يدعون إليه

فلا غرابة إذن إذا كنا نرى الأمم القوية في كل العصور تنادي بالسلام وهي تستعد للحرب؛ أما الشعوب الضعيفة فإنها تتخدر أعصابها بالدعاية إلى السلم، وتصم آذانها عن نداء الواجب صيحة السلام التي يرسلها القوى المدججة بالسلاح معمياً، حتى لا تزال هذه الأمم

<<  <  ج:
ص:  >  >>